ومن أعظم انحرافاتها كذلك التضخيم الشديد لعالم الحس.. واللذائذ الحسية.. ومن ثم غرق الرومان في متاع فاجر لا يقف عند حد.. متاع تجاوز لذائذ الجنس - البالغة حد الابتذال - إلى لذة الاستمتاع الوحشي بإراقة الدم والقتل والتعذيب والتمثيل، في لعبتهم الوحشية المفضلة التي كانوا يجتمعون لمشاهدتها وينفقون في سبيلها بسخاء، والتي كان يتصارع فيها الأرقاء - المدربون للقتل والموت! - يتصارعون بالسيوف والخناجر، يشقون بطون بعضهم البعض، ويقطّعون أوصال بعضهم البعض، ويريقون دماء بعضهم البعض.. والوحوش من"سادة"الرومان يتابعون المنظر بلذة وشغف، ويصل المرح منهم أقصاه حين تنتهي المبارزة الوحشية بقتل أحد المتلاعبين أو كليهما في حلبة الصراع!
ومن أعظم انحرافاتها كذلك"العدل"الروماني الشهير.. للرومان فقط! هم وحدهم يستمتعون بالعدالة! أما بقية العبيد.. وهم كل الشعوب المستعمَرة المستغَلة التي تكوّن الإمبراطورية الرومانية الواسعة، فهم عبيد! لا عدالة لهم ولا حقوق. وعليهم فقط واجبات!
تلك"بعض"انحرافات الجاهلية الرومانية.. الشهيرة في التاريخ!
فإذا انتقلنا إلى العصور الوسطى فثمت جاهلية من نوع آخر.. جاهلية العقيدة المحرفة.
يقول دريبر الأمريكي في كتابه"النزاع بين الدين والعلم":
"دخلت الوثنية والشرك في النصرانية بتأثير المنافقين، الذين تقلدوا وظائف خطيرة ومناصب عالية في الدولة الرومية، بتظاهرهم بالنصرانية ولم يكونوا يحفلون بأمر الدين، ولم يخلصوا له يومًا من الأيام.. وكذلك كان قسطنطين. فقد قضى عمره في الظلم والفجور؛ ولم يتقيد بأوامر الكنيسة الدينية إلا قليلًا في آخر عمره (سنة 337 م.) ."
"إن الجماعة النصرانية، وإن كانت قد بلغت من القوة بحيث ولت قسطنطين الملك، ولكنها لم تتمكن من قطع دابر الوثنية وتقتلع جرثومتها. وكان نتيجة كفاحها أن اختلطت مبادئها، ونشأ من ذلك دين جديد، تتجلى فيه النصرانية والوثنية سواء"