الصفحة 27 من 290

بسواء..هنا يختلف الإسلام عن النصرانية، إذ قضى على منافسه"الوثنية"قضاء باتا، ونشر عقائده خالصة بغير غبش..

"وإن هذا الإمبراطور الذي كان عبدًا للدنيا، والذي لم تكن عقائده الدينية تساوي شيئًا، رأى لمصلحته الشخصية، ولمصلحة الحزبين المتنافسين - النصراني والوثني - أن يوحدهما ويؤلف بينهما: حتى إن النصارى الراسخين أيضًا لم ينكروا عليه هذه الخطة. ولعلهم كانوا يعتقدون أن الديانة الجديدة ستزدهر إذا طعمت ولقحت بالعقائد الوثنية القديمة! وأن الدين النصراني سيخلص في عاقبة الأمر من أدناس الوثنية وأرجاسها!" (1) .

وتكفينا هذه الشهادة من كاتب مسيحي غربي، لإثبات الانحراف الذي وقع في أوروبا عن العقيدة الصحيحة، ولا نحتاج معها أن نخوض في التفصيلات.. وإنما يهمنا أن نشير إلى جملة انحرافات في الحياة الواقعية للجاهلية الأوروبية في العصور الوسطى.. التي كانت - في ظاهر الأمر - تعيش في ظلال الدين!

كانت المسيحية - ككل دين منزل من عند الله - عقيدة وشريعة. وإن كانت لم تأت بتفصيلات تشريعية فذلك لأن شريعتها الأساسية كانت التوراة، مع التعديلات غير الكثيرة التي نزلت على عيسى عليه السلام في الإنجيل:"وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ" (1) فكان المفهوم الطبيعي للمسيحية أن تحكم بشريعة الله المنزلة في التوراة مع مراعاة التعديلات الواردة في الإنجيل.

ولكن الذي حدث بالفعل لم يكن كذلك. فعلى الرغم من النفوذ الضخم الذي زاولته الكنيسة في أوروبا في العصور الوسطى، فلم تكن الشريعة الإلهية مطبقة في غير قانون"الأحوال الشخصية".. أما واقع الحياة الأكبر فلا تحكمه شريعة الله، وإنما يحكمه القانون الروماني.. أو - إن شئت - تحكمه الجاهلية الرومانية القديمة!

وهذا الفصل بين الدين والحياة الواقعة - على الرغم من نفوذ الدين الغالب على مشاعر الناس وتصوراتهم - كان سمة خطرة في جاهلية العصور الوسطى في أوروبا.. وإن لم يكن أخطر السمات!

(1) عن كتاب"ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين"للسيد أبي الحسن الندوي.

(2) سورة آل عمران [50] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت