الصفحة 28 من 290

لقد مضت الكنيسة تزاول سلطانها على القلوب والمشاعر - وإن كانت مع ذلك لا تجد بأسًا في أن يأخذ القانون الروماني مكانها في واقع الحياة - وذهبت في فرض هذا السلطان إلى المدى الذي جاوز كل حد معقول. فقد احتجز الكهنة لأنفسهم ملكوت السماء واحتكروه! فلا يُدخلون فيه إلا من رضي عنهم ورضوا عنه. أما الآخرون فهم"محرومون"من الرضوان.

وراحت الكنيسة تفرض على الناس ضرائب مالية وعقلية وروحية فادحة! فالعشور والإتاوات والعمل المجاني في أراضي الكنيسة الإقطاعية، والتجنيد في جيوشها التي تحارب بها الملوك العصاة وتؤدبهم.. ذلك لون من السلطان المفروض على العباد. والخضوع المذل لرجال الدين، الذي يبلغ حد السجود في الأرض الموحلة بالطين عند مرور أحد من رجال الكهنوت، لون آخر من السلطان. والأفكار"العلمية"الزائفة التي تفرضها على العقول وتعاقب من يخالفها بالحرمان، أو التعذيب حتى الموت، لون ثالث من السلطان الجائر الغشوم. فلما أثبت العلم النظري والتجريبي بطلان هذه النظريات على يد جردانو برونو وكوبرنيكوس وجاليليو راحت الكنيسة تعذبهم حتى يموتوا أو يرتدوا عما هم فيه!

ولم تكتف الجاهلية القائمة باسم الدين بهذا كله، وإنما ذهبت شوطًا أبعد، حين انقلبت الأديرة الرهبانية المقامة للتبتل والعبادة - تطوعًا دون فرض -"وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ".. انقلبت إلى مباءات ترتكب فيها كل الجرائم الخلقية من سوية وشاذة.. بين الرهبان أنفسهم والراهبات!:"وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا" (1) .

وأخيرًا كانت مهزلة صكوك الغفران الشهيرة في التاريخ.. التي حولت أمر الدين إلى مهزلة ضخمة لا جدية فيها ولا"حقيقة"وإنما لهو وعبث وتدليس ومجون...

وتلك"بعض"انحرافات الجاهلية التي قامت في العصور الوسطى في أوروبا.. باسم الدين.

(1) سورة الحديد [27] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت