الصفحة 212 من 290

ومن مقتضى ذلك كله أن يكون عنصرا فعالا في الأرض، لا كمًّا مهملا تتحكم فيه"الحتميات"وهو أمامها خاضع ذليل. إنما يعمل قدر الله في الأرض من خلال حركة الإنسان وعمله:

"إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" (1) .

"وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ" (2)

ثم يجعل الله الكون كله مسخرا للإنسان، والإنسان هو القوة الموجبة بالنسبة إليه:

"وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ" (3)

وحين يرفع التصور الإسلامي الإنسان إلى هذا المدى الهائل الرفيع.. فإنه لا يجعله خصما لله يصارعه ويبغضه.. وإنما يحبه ويخشاه!

إن موهبة الله للإنسان لا تستدعي - بداهة - إلا الشكر والعرفان! فالإنسان لم يمنح نفسه هذه المزايا، ولا جعل نفسه خليفة الله، ولا خلق نفسه ابتداء! وكان في استطاعة الله - لو أراد - سبحانه - ألا يخلقه أصلا، ولا يعطيه هذه المواهب أصلا. ومن ثم فالرد على هذه العطايا هو الشكر، والتعبد، وليس البغضاء والصراع كما صورت الجاهلية اليونانية العلاقة بين البشر والآلهة، وألقت ظلالها طويلة عميقة على جاهلية القرن العشرين، في تصورها للعلاقة بين الإنسان والله.

والإنسان في نظر الإسلام - كما هو في حقيقة فطرته - كائن مترابط. فلا انفصال بين عنصر الطين وعنصر الروح فيه. ليس جسدًا خالصًا ولا روحًا خالصة. ولا انفصال بين شعوره وسلوكه. ولا عمله وأخلاقه. ولا مُثُله وواقعه. ولا عقيدته وشريعته. ولا دنياه وآخرته..

كلها مزاج واحد، وحسبة واحدة!

(1) سورة الرعد [11]

(2) سورة البقرة [251] .

(3) سورة الجاثية [13] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت