وعلى الرغم من قيام حضارات سابقة في الجزيرة.. وعلى الرغم من اتصال العرب بالرومان والفرس.. فالواقع الذي شهده التاريخ أن انطلاقة المسلمين في إنشاء حضارتهم كانت شيئا آخر لا يقاس به ماضي العرب كله في شبه الجزيرة، كما لا يقاس به جهد أية أمة أخرى معاصرة في ذلك الحين.
نعم. لقد اقتبس المسلمون كثيرًا من التشكيلات الإدارية من الروم والفرس. ولكن قاعدة النظام الذي يستخدم هذه التشكيلات الإدارية ظلت إسلامية! على الرغم من كل ما أدخل عليها من الشوائب الغريبة على المدى التاريخي المتطاول نحو ألف عام. حتى كانت حضارتهم هي الحضارة.. وهي مصدر الحضارة الأوربية الجديدة كلها كما يشهد الغربيون.
يقول بريفولت في كتاب"بناء الإنسانية Making of Humanity".
"إنه ليس ثمة ناحية واحدة من نواحي الازدهار الأوربي إلا ويمكن إرجاع أصلها إلى مؤثرات الثقافة الإسلامية بصورة قاطعة" (1) .
وكانت كذلك حركة علمية هي - في وقتها - أكبر حركة علمية في التاريخ.
والعلم - بصفة خاصة - لم يكن مما وجه العرب اهتمامهم إليه.. إذ كانوا مشغولين دائمًا بفن القول، يجعلون همهم كله فيه.. وإنما الذي بعثهم يتعلمون وينشئون الحركة العلمية كان هو الإسلام.
وقد اقتبس المسلمون - كذلك - كل العلم الدنيوي من الأمم المجاورة لهم: علم اليونان القديم، وعلم الرومان، وعلم المصريين وعلم الهنود.. في الفلك والرياضة والطب والطبيعة والكيمياء.
ولكنهم لم يقفوا عند ما اقتبسوه.. لا في الكم ولا في النوع..
فقد كانوا هم - المسلمين - الذين غيروا وجه العلم، حين أنشأوا - بهدى من التوجيه الإسلامي - المذهب التجريبي الذي تقوم عليه الحركة العلمية الحاضرة في أوربا بلا استثناء!
يقول بريفولت في كتابه الذي أشرنا إليه:
(1) عن كتاب"تجديد الفكر الديني في الإسلام"تأليف محمد إقبال وترجمة عباس محمود ص 149.