"مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ" (1)
وحقيقة إن واجب الخلق نحو خالقهم ورازقهم، ومالك أمرهم في محياهم ومماتهم.. أن يعبدوه.
ولكن الله - سبحانه - من رحمته بعباده وفضله عليهم، جعل في هذا الواجب خير العباد، بل جعله هو الخير ذاته.. فيعبد الناس الله بحكم أنه هو خالقهم، وربهم، وإلههم، ثم تكون عبادته لخيرهم وصالحهم، لا لصالح الله المستغني عن العباد:
"وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" (2) .
فحين طلب الله إلى الناس أن يفردوه بالألوهية وبالحاكمية، ولا يحكموا بشريعة أحد منهم، وإنما يحكمون بما أنزل الله وحده في كل شيء؛ وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم:"وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ" (3)
حين طلب الله إلى الناس ذلك، كان يريد أن ينقذهم من عبودية بعضهم لبعض، ومما يترتب على هذه العبودية من"الطاغوت"الذي رأينا نماذج بشعة منه في الجاهلية الحديثة، وفي كل جاهلية في التاريخ.
كان يريد لهم أن يحسوا بالتحرر الحقيقي، الذي لا يمكن أن يحسوا به في أي نظام آخر يصنعه البشر لأنفسهم، وتستعبد فيه طائفة من الناس بقية الناس، وتحكم لصالحها هي على حساب صوالح الناس!
كان يريد لهم الكرامة التي لا تتحقق لبني الإسان إلا حين يتساوون جميعًا في العبودية الحقيقية لله، فلا يبرز من بينهم أحد بطاغوته، يقول: أنا أشرع للناس. أنا أسيطر على الناس. أنا أخضع لإرادتي الناس. أنا أصنع - على رغبتي - حياة الناس!
كان يريد لهم العزة التي لا تتحقق للناس إلا حين يحس كل منهم أن صلته بمصدر التشريع الحقيقي لا تقل ذرة واحدة عن صلة بقية الناس. وأن هذه الصلة متاحة - حقيقة - لجميع الناس بمقدار ما يجتهدون هم بجهدهم الخاص في التقرب إليه:"إن"
(1) سورة الذاريات [57] .
(2) سورة العنكبوت [6] .
(3) سورة المائدة [49] .