الصفحة 227 من 290

قد استغنى عن وصاية الله.. حين استنكفت أن تعترف بحاكمية الله وحده، واغتصبت لنفسها الحاكمية.. قد وصلت إلى ما وصلت إليه من طغيان غائل، يتمثل - اليوم - في دكتاتورية رأس المال ودكتاتورية البروليتاريا، وما يذوقه الناس من المذلة والمهانة في ظل هذه الدكتاتوريات.

وإفراد الله بالحاكمية هو - وحده - الذي ينقذ الناس من هذه الدكتاتورية الطاغية، ويردهم أحرارًا كما ولدتهم أمهاتهم. ويجعل في أيديهم هم أمر أنفسهم، في ظل شريعة الله. فإن ركبهم طاغية من البشر، فتبعة ذلك عليهم هم.. وهم يملكون دائمًا رده.. لأنه لا يركبهم"بحتمية"زائفة، ولا يركبهم بمصلحة طبقة معينة منهم تأخذ دورها الحتمي في التاريخ. وإنما يركبهم لأنهم تهاونوا في رده إلى شريعة الله. وهم يملكون دائمًا أن يعودوا فيردوه إلى شريعة الله.. ولو تحملوا في ذلك تضحيات وتعرضوا لأخطار! فهي - في النهاية - أقل على وجه التحقيق من التضحيات التي يدفعونها ثمن المذلة لطاغوت من البشر يحكمهم"بالحتمية"ولا يملكون من حتميته الفرار!

وبقي أن نعرف - ونحن نستعرض الاقتصاد والاجتماع والأخلاق وعلاقات الجنسين والفن - أن شريعة الله هذه التي يحكم بها الناس في ظل منهج الله، هي العدل الكامل والخير الخالص للبشرية.. ولكنا نبرز أولا هذه الحقيقة - السياسية - الهامة، أنه لا حرية للناس - ابتداء - إلا بمنع البشر من أن يشرعوا لأنفسهم، وعزلهم من هذا السلطان الجائر - وهو دائمًا جائر - الذي يعطونه لأنفسهم حين لا يحكمون بما أنزل الله.

إن شرع الله لم يكن ينتقص كرامة البشر ووعيهم وفاعليتهم ونضوجهم وتقدمهم... الخ - حين حرم عليهم أن يشرعوا لأنفسهم.. إنما كان يضع الوسيلة - التي لا وسيلة غيرها - لتحرير الناس تحريرًا حقيقيا من كل طغيان...

وحين تتأكد لنا هذه الحقيقة وتستقر في أذهاننا - كما ينبغي لها أن تصنع - ننتقل إلى عرض نماذج من شريعة الله ومنهجه في الاقتصاد والاجتماع والأخلاق... الخ.

لقد كان مصدر الطغيان في الجاهلية - فيما يتعلق بالاقتصاد - أمرين اثنين: طريقة التملك من ناحية، وكون الطبقة التي تملك هي التي تحكم من ناحية أخرى.

ومنهج الله يعالج الأمرين معا، بما يصلح أمور الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت