فهو أولا يعزل عن السلطان كل طبقة تريد أن تتجبر، بتقريره حاكمية الله وحده، ومنع الناس من الحاكمية.
وهو ثانيًا يعطي عدالة موضوعية في مسألة الملكية.
فإذا كانت الجاهلية الرأسمالية تطلق الملكية الفردية بغير حد.. مما يترتب عليه استعباد غير المالكين..
وإذا كانت الجاهلية الجماعية تمنع الملكية الفردية البتة.. مما يترتب عليه كذلك استعباد غير المالكين (1) ..
فالإسلام لا يمنع الملكية الفردية البتة.. ولا يطلقها بلا حدود!
إنه لا يمنع الملكية الفردية البتة، لأن ذلك يجعل أرزاق الناس كلهم في يد"الدولة".. وبالتالي يستعبدهم للدولة بلقمة العيش!
والإسلام يقيم نظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي على أساس أن يكون"الناس"هم الرقباء على ولي الأمر، يتابعون مدى تنفيذه لشريعة الله، ويوجهونه إذا أخطأ في تنفيذها، ويسقطون سلطانه عليهم إذا خرج عن شريعة الله:
"وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ" (2)
"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده. فمن لم يستطع فبلسانه. فمن لم يستطع فبقلبه. وهو أضعف الإيمان (1) "
"أطيعوني ما أطعت الله فيكم. فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم (2) "
وهذا كله لا يتأتى إذا كان الناس كلهم مستعبدين للدولة بلقمة الخبز..
والإسلام نظام واقعي.. فهو لا يفترض في الناس الملائكية. ولا يفترض فيهم كذلك أن يكونوا كلهم من أولي العزم! إنما يتعامل مع النفس البشرية في واقعها: بضعفها وقوتها. وهبوطها ورفعتها. لذلك يضع نظمه على أساس هذا الواقع البشري، ويساعد
(1) راجع الفصل السابق.
(2) سورة آل عمران [104] .
(3) متفق عليه.
(4) من كلام الخليفة الراشد الأول أبي بكر رضي الله عنه.