والجماعة يخاطبها الإسلام كذلك، ويعطيها حقوقا ويلقي عليها تبعات تبرز كيانها المجتمِع المترابط.
فالفرد في الإسلام يتصل بالله مباشرة بلا وسيط. يخاطبه ويناجيه ويعبده ويتقرب إليه، فردًا مستقلا ذا كيان محدد متخصص. والإسلام يشعره على الدوام برعاية الله له - فردًا - رعاية كاملة. فهو الذي يخلقه - فردا - من لقاء أبويه، بقدر من الله محدد له هو شخصيا، لا لأحد سواه.. ثم هو الذي يرزقه - فردا كذلك - وإن كان يسبب لرزقه الأسباب الظاهرة التي تشترك فيها الجماعة - كما يشترك فيها الكون كله - ولكنه رزق محدد له هو ذاته، مكتوب له شخصيا من عند الله، لا يناله أحد سواه. ثم الله هو الذي يستجيب له حين يدعوه، فيجيب حاجته في الحياة الدنيا - إن شاء - أو يكتبها له في الآخرة، ولكنه في الحالين يستجيب لدعائه الفردي المستقل عن كل فرد سواه. ثم هو يلقى الله في النهاية فردا:"وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا" (1) ولا يسأل إلا عن نفسه وأعماله الذاتية:"كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ" (2) ."وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" (3) .. وبذلك كله يتحقق الأساس الشعوري للفردية الذاتية المستقلة، عن طريق الاتصال المباشر بالله.
ثم يكلف الإسلام الفرد تكاليف فردية تبرز ذاتيته. فهو - شخصيا - كل فرد بمفرده - مكلف أن يقيم شعائر الله وشرائعه. وأن يدعو"المجتمع"- أي غيره من الأفراد - إلى إقامتها، ثم هو مكلف أن يقاوم المنكر من المجتمع - أي من غيره من الأفراد - بكل ما يملك من طاقة، وبقدر ما في نفسه من إيمان. ولا يقف دون هذا التكليف حائل، فالفرد - كل فرد - ينبغي أن"يتبنى"القضايا العامة للجماعة بحيث تصبح هي قضيته الخاصة والقضايا العامة في الإسلام هي تنفيذ شريعة الله. أي إقامة حكم راشد، وإقامة اقتصاد راشد، وإقامة مجتمع راشد وإشاعة القيم الأخلاقية في المجتمع، والإشراف على تنظيف المجتمع وتطهيره من كل فساد خلقي - بمعناه الواسع، ومعناه الضيق [الفاحشة الجنسية] على السواء - والرقابة على أعمال الحاكم، لضمان أنها لا تنحرف عن شريعة الله، أي عن الحق والعدل الشامل للجميع.. وبذلك كله تبرز له
(1) سورة مريم [95] .
(2) سورة المدثر [38] .
(3) سورة الأنعام [164] .