الناس ينحرفون، بما في فطرتهم من استعداد للانحراف، مقابل لاستعدادهم للاستواء.
والفرق كبير - من الوجهة النظرية والعملية معًا - بين هذا الوضع، وبين أن يكون الانحراف قائمًا في النظام ذاته، حيث لا يملك الناس له ردا إلا بتغيير النظام من أساسه، وإقامة نظام جديد.
في النظرية الرأسمالية يطغى الفرد بطبيعة النظام، ولا يملك الناس رده إلا إذا غيروا النظام الرأسمالي من جذوره وأما في ظله فلا يستطيعون أن يردوا ما يقع عليهم من طغيان، ولا أن يقوّموا الطغاة.
وفي النظرية الجماعية تطغى الجماعة بطبيعة النظام، ولا يملك الفرد إلا أن ينسحق تحت ثقلة النظام الهائلة المروعة، التي تكتسح في طريقها كل فرد خارج عليه. أو في الحقيقة خارج على الزعيم المقدس الذي يدير الدولة بالدكتاتورية الصريحة التي تسمى دكتاتورية البروليتاريا.
أما في الإسلام فلا يقع طغيان من الفرد أو الجماعة بطبيعة النظام، إنما يقع إذا انحرف الفرد أو الجماعة عن النظام. وعندئذ تقع تبعة انحراف الناس على أنفسهم. وعليهم تقويم هذا الانحراف الواقع في أنفسهم والرجوع إلى الله ورسوله.. فتستقيم الأمور.
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ" (1) .
ومما ينبغي الإشارة إليه هنا أن الله والرسول هما السلطة التشريعية التي يرجع إليها في جميع الأمور، والطاعة لهما طاعة مباشرة. أما طاعة أولي الأمر فهي متعلقة بطاعة الله ورسوله. لذلك كرر الفعل"أطيعوا"مع الله ومع الرسول، وأدمج طاعة أولي الأمر في طاعة الله وطاعة الرسول بغير فعل مستقل. ثم جعل المرجع في حالة التنازع بين المؤمنين على شيء، هو الله والرسول وحدهما باعتبار تشريعهما هو الأصل الوحيد للتشريع.
وفي ظل هذا التصور لا يكون الفرد والمجتمع معسكرين متقابلين متقاتلين، وإنما
(1) سورة النساء [59] .