وقد مر بنا في مجال"السياسة"الداخلية موقف عمر من المعارضة وهو يخوض المعركة الحاسمة بين الإسلام وأعدائه المتربصين به من كل مكان.
فهذا مثال في مجال"السياسة الخارجية"..
"وكذلك حدث أن سجل في هذه المعاهدة التي أبرمها [أبو عبيدة] مع بعض أهالي المدن المجاورة للحيرة:"فإن منعناكم فلنا الجزية وإلا فلا"... فلما علم أبو عبيدة قائد العرب بذلك [بتجهيز هرقل لمهاجمته] كتب إلى عمال المدن المفتوحة في الشام يأمرهم بأن يردوا عليهم ما جبي من الجزية من هذه المدن، وكتب إلى الناس يقول:"إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه بلغنا ما جمع لنا من الجموع. وإنكم قد اشترطنا علينا أن نمنعكم. وإنا لا نقدر على ذلك. وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم. ونحن لكم على الشرط وما كتبنا بيننا إن نصرنا الله عليهم" (1) "
وهكذا تدخل"السياسة"بشقيها في إطار الأخلاق، ولا يوجد مبرر"ميكيافيلي"لنزعها من إطار الأخلاق!
أما الاقتصاد فقد زعمت الجاهلية الحديثة كذلك أن لا علاقة له بالأخلاق! وإنما تحكمه قوانينه"الحتمية"التي لا يقال فيها"خير"و"شر".. ولا يقال فيها"فضيلة"و"رذيلة".. إنما مقياس كل شيء كامن في ذاته، ما دام دخل الطور الحتمي الذي يسير فيه. فإذا انتهى الطور بصورة حتمية انقلب الميزان الأول وركب ميزان جديد، وصار الصالح المناسب بالأمس ملعونًا منبوذًا في اليوم الجديد.. ولكن على غير أساس أخلاقي! فالإقطاع في طوره مناسب ومقبول! وهو مقياس ذاته! فإذا انقضى طوره الحتمي وجاءت الرأسمالية فالإقطاع بشع ومرذول.. لا لأنه يجافي الحق والعدل الأزليين.. ولكن لأنه يعيش بعد موعده المقدر له! والرأسمالية صواب... مهما اقترفت من آثام.. ما دامت في طورها"الطبيعي".. فإذا انتهت انقلب عليها الميزان.. وهكذا على ممر التاريخ! لا مقياس لشيء خارج ذاته.. والأخلاق على وجه الخصوص هي آخر شيء تقاس به الأمور!!
وهذا - ولا شك - من شدة الرقي والتقدم والارتفاع!!
أما الإسلام - كلمة الله - فإنه لا يعترف ابتداء بأن شيئًا ما في حياة الناس.. اقتصادًا
(1) عن كتاب"الدعوة إلى الإسلام"تأليف ت. و. أرنولد، ترجمة حسن إبراهيم حسن وزميله