الصفحة 249 من 290

الغربي إلى وحشية الإقطاع وويلات الرأسمالية وبشاعة النظم الجماعية. وإن كان الجاهليون لم يفيقوا بعد من جاهليتهم، ليعرفوا أن الذي ذاقوه كله والذي لا يزالون يذوقونه من الظلم والعسف والطغيان في هذه النظم الاقتصادية سببه الأول هو الانحراف عن المنهج الأخلاقي.. والفصل بين الاقتصاد والأخلاق.. والظن - الجاهلي - بأن الاقتصاد له قوانينه"الحتمية"الخاصة التي لا علاقة لها بالأخلاق..!!

أما الإسلام - منهج الله - فقد عرف - في فترته المثالية الأولى - درجة من النظافة الخلقية في عالم الاقتصاد لا مثيل لها في التاريخ كله.. حين اشترك المهاجرون والأنصار في المال العام عن طيب خاطر، تطوعًا بغير أمر من الدولة ولا تدخل. وحين تسابق المسلمون إلى أداء الزكاة - ضريبة التكافل الاجتماعي في المجتمع الإسلامي - تقربًا إلى الله واحتسابًا دون ملاحقة من الدولة ولا مطاردة. وحين لم يقف الإنفاق عند الحد المرسوم في الزكاة، بل تطوع الناس - أحيانًا - بمالهم كله في سبيل الله. وحين قام أبو بكر - وهو خليفة! - يبحث عن عمل يرتزق منه! حتى قال له المسلمون: إن هذا الأمر لا يصلح بذاك. فقال: فمن أين أعيش؟! فجعلوا له دارهم من بيت المال يعيش بها هو وأهله، ثم اعتبرها كلها دينًا عليه فردها قبل وفاته! وحين قام عمر يوزع عكة من السمن اشتراها له غلامه من معاشه الرسمي الضئيل الذي فرضه له المسلمون من بيت المال إذ لم يكن له مال يعيش منه.. يوزعها على فقراء المسلمين لأنه لا يحل له أن يأكل - من معاشه الرسمي الضئيل - وفقراء المسلمون لا يجدون ما يجد! وحين قام علي بن أبي طالب يختم على جريب الدقيق الذي يخرج له من بيت المال يقول: حتى لا يدخل بطني إلا ما أعرف! وحين قام عمر بن عبد العزيز يرد على المسلمين ما أقطعه إياه بنو مروان بغير حق، ويرد كل ما اغتصبه بنو أمية من الناس..

ثم عرف - بعد فترته المثالية الكبرى - على الرغم من انحراف أهله عنه انحرافات جزئية كثيرة - كيف يحول دون قيام الإقطاع - الحتمي!! - في العالم الإسلامي بصورته الأوربية البشعة - اللا أخلاقية - لأنه - على الرغم من انحراف الناس عنه انحرافًا جزئيًّا - لم يتخل عن إقامة الاقتصاد على أساس الأخلاق.. بينما النظم الجاهلية - اللا أخلاقية - لم تعرف في اقتصادياتها طعم النظافة و"الإنسانية"مرة واحدة في تاريخها الطويل.. لا في الإقطاع ولا في الرأسمالية.. ولا في النظم الجماعية - حتى في فترتها"المثالية"على الأقل! .. في حماسة الناس للمبدأ الجديد - فقام الحزب الشيوعي في كل بلد اعتنق الماركسية يرتب لنفسه حقوقًا خاصة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت