الصفحة 252 من 290

ولا نريد أن نعرض لها من الزاوية الضيقة التي يطلق عليها الناس عادة لفظة"الأخلاق"!

إنما نعرضها بالمفهوم الأخلاقي الشامل الذي يقصده الإسلام وهو يتحدث عن الأخلاق.. المفهوم الذي يرتبط بكيان"الإنسان"كله.. والذي يميز هذا الإنسان عن غيره من الخلق، وخاصة عن الحيوان.

إن الإسلام لا يحرم الفاحشة الجنسية لأنها تخالف قواعده الخلقية بمعناها الضيق، ولكن لأنها تهبط بكيان الإنسان عن المستوى اللائق"بالإنسان".. ومن ثم تخالف"الأخلاق"بالمفهوم الواسع للأخلاق.

الإنسان.. خليفة الله.. الذي حمل"الأمانة"وحده حين أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها.. الذي كلف عمارة الأرض وإقامة الخلافة الراشدة فيها: إقامة الحق والعدل.. إقامة السياسة الراشدة والاقتصاد الراشد والمجتمع الراشد.. وكلف الجهاد في ذلك كله، لأنه لا بد لذلك كله من جهاد.

هذا الإنسان.. كيف يصبح حين يغرق في مباءة الجنس؟!

وأنَّى له الخلافة الراشدة.. وأنَّى له الجهاد؟!

ثم وأنَّى له أن يفرق بين نفسه وبين الحيوان.. وهو لا يملك أن يرتفع عن ذلك الحيوان، بينما الله قد منحه القدرة على الارتفاع؟!

هل تظل له"أخلاق"- بمفهومها الواسع - وهو يتخلى عن رسالته الأصيلة ويهدر قدرته على الارتفاع؟!

هل تظل له أخلاق وهو ينطلق كالمسعور وراء شهوة الجسد التي لا تشبع - ولا يمكن أن تشبع - ويبدد طاقته"الإنسانية"الكبرى في جانب واحد من جوانب نشاطه الحيوي.. وعلى مستوى لا يليق بغير الحيوان.. ويتخلى على ضوابطه الإرادية التي ميزه الله بها على غيره من الخلق، فيصبح وهو لا يملك حتى ضوابط الفطرة التي يملكها الحيوان؟!

إن الإسلام حين يحرم الفاحشة.. إنما يريد إكرام الإنسان! يريد أن يرفعه إلى ذلك المقام الكريم.. مقام الخلافة عن الله!

إنه لا يحرم الفاحشة شهوة في التحريم.. أو تضييقًا على العباد!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت