الصفحة 254 من 290

بلا ضابط، ولا تكون أبدًا دفعة جسد غير ممتزجة بإشراقة الروح!

إن الأخلاق في الإسلام ليست قانونًا قائمًا بذاته، منفصلًا عن الكيان الواقعي للإنسان، مفروضًا عليه من خارج نفسه فرض القهر والتحكم والسلطان! إنما هي قانون الطبيعة السوية لهذا الإنسان ذاته.. مستمدة من طبيعته هو الخاصة المتميزة، لا من طبيعة أي كائن سواه!

فأخلاق الملائكة، وأخلاق الحيوان.. إن صح أن نستخدم هذا التعبير - مجازًا - مع الملائكة والحيوان، شيء آخر مختلف تمامًا عن أخلاق الإنسان.. كل أخلاق نابعة من كيان المخلوق الذي يلتزمها.. وكذلك أخلاق الإنسان..!

المَلَك مخلوق لا دوافع له.. ولا إرادة كذلك.. وأخلاقه - النابعة من طبيعته - هي:"لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" (1) "يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ" (2) .

والحيوان مخلوق عارم الدوافع ولا إرادة له. ولا ضوابط إلا الضوابط الفطرية غير الواعية. وأخلاقه - النابعة من طبيعته - هي تلبية هذه الدوافع بلا تفكير ولا تدبر ولا وعي في حدود تلك الضوابط.

والإنسان هو المخلوق الجديد - فيما نعلم من خلق الله - الذي له دوافع وضوابط واعية، ناشئة من طبيعته المزدوجة من قبضة الطين ونفخة الروح (3) . وأخلاقه المتمشية مع طبيعته

في حالته السوية، هي أن يلبي الدوافع ولكن بقدر مقدور تمسكه الضوابط الفطرية الإرادية الواعية في طبيعته، وأن يلبي دفعة الجسد ممتزجة بإشراقة الروح..

ومن ثم لا تكون أعماله - قط - بلا ضوابط. ولا تكون أعماله - قط - بلا هدف مصاحب. ولا تكون - قط - دفعة جسد غليظة كالحيوان.

و"الأخلاق"بالنسبة للإنسان.. في كل أعماله، ومن بينها الجنس.. هي تلبية الدوافع الفطرية مع وجود الضبط، ووجود الهدف الواعي المدرك، ووجود إشراقة الروح التي تمتزج بدفعة الطين..

(1) سورة التحريم [6] .

(2) سورة الأنبياء [20] .

(3) انظر فصل"طبيعة مزدوجة"من كتاب"دراسات في النفس الإنسانية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت