ومن ثم فأخلاقيات الجنس بالنسبة للإنسان - كأخلاقيات كل شيء آخر في حياته، من سياسة واقتصاد واجتماع.. الخ - هي أن يلبي دافع الجنس لا على مستوى"الشهوة"وإنما على مستوى"العاطفة". ولا يكون الجنس هدفًا في ذاته يشغل جهد الإنسان، وإنما يكون وسيلة لهدف. ولا يكون بلا ضابط.. إنما تحكمه الضوابط التي لا تجعله مهلكة للفرد ولا مفسدة للمجموع..
وتلك بذاتها - هي أخلاقيات كل شيء آخر في حياة الإنسان: أخلاقيات المأكل والملبس والمسكن، والملك، والقتال، والبروز (1) .
وبهذه الأخلاقيات يصبح الإنسان إنسانًا.. وبغيرها يصبح أسوأ وأضل من الحيوان:
"لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ" (2) .
وعلى هذا الأساس الشامل - الذي لا يخصص للجنس قواعد خاصة غير ما يخصصه لبقية نشاط الإنسان - يعالج الإسلام شئون الجنس، ويربي عليها"الإنسان".
إنه - بادئ ذي دء - لا يحرم الجنس في ذاته.. لا يستقذره ولا يستنكره ولا ينفّر منه الحس البشري كما تفعل الهندوكية والمسيحية في صورتها التي صاغتها الكنيسة، وغيرهما من المفاهيم المنحرفة التي تحاول التطهر والارتفاع بكبت الجسد واستقذار نشاطه. وإنما هو يبيحه.. كما يبيح كل الدوافع الفطرية وكل النشاط الحيوي..
إنما فقط ينظفه..
يضع له الضوابط التي تنظمه.. حتى في الدائرة المباحة! فالإباحة والمنع هما الخط الظاهر العريض فقط.. الخط الذي يمنع التهلكة.. ولكنه ليس هو كل أخلاقيات الجنس، التي تليق"بالإنسان"!
والجنس في هذا ليس بدعًا..
فلنأخذ أخلاقيات الطعام.. وسنجدها صورة طبق الأصل من أخلاقيات الجنس.
(1) انظر فصل"الدوافع والضوابط"وفصل"القيم العليا"في كتاب"الدراسات".
(2) سورة الأعراف [179] .