الصفحة 261 من 290

فهو لا يوهم بجنة مثالية على الأرض! ولا يقول للإنسان إنك تجد النعيم في الدنيا تحت قدميك! إنما يقول له إن الحياة كدح وكبد وتدافع وصراع..

وكذلك هو منهج واقعي بالنسبة للإنسان ذاته. فهو لا يقول عنه إنه مَلَك رفيع مستو على الصراط! ولا يقول إن الناس كلهم من ذوي العزم. إنما يقول:"وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا" (1) ويقول:"كل بني آدم خطاء" (2) !

ومن ثم فالفن الذي يلتزم بالمنهج الإسلامي لن يعطي صورة مزورة للحياة والإنسان. لن يعطي صورة وردية حالمة.. ولا صورة مثالية بيضاء.. إلا على أنها خيال إنسان!

إنما هو يعطي صورة حقيقية واقعية لصراع الناس في الأرض، ومشكلات حياتهم وتعقدها، واضطراب حياتهم بين الخير والشر، والارتفاع والهبوط..

وإذن.. فما الذي يميز الفن الإسلامي عن فنون الجاهلية، إذا كان الأمر على هذا النحو؟

أمور كثيرة في الحقيقة (3) !

أولها أن الواقعية الإسلامية هي الواقعية الضيقة التي تمارسها الفنون الجاهلية الحديثة التي تستمد من التفسير الحيواني للإنسان. وإنما تستمد من التفسير"الإنساني"للإنسان. وهو تفسير يشمل الهبوط والرفعة. ويشمل الخير والشر. يشمل قبضة الطين ونفخة الروح.. معًا في ذات الوقت.

والثاني: هو نقطة التركيز!

فالصورة التي يرسمها الفن الإسلامي للحياة البشرية تشمل الأبيض والأسود ممتزجين كما هما في واقع الحياة.. نعم.. ولكن على أيهما يكون التركيز!

فأما الفنون الجاهلية الحديثة التي تركز على التفسير الحيواني، وغيره من التفسيرات الجاهلية، فهي تركز على الجانب الأسود كأنه هو الحياة!

(1) سورة النساء [28] .

(2) رواه الترمذي.

(3) انظر كتاب"منهج الفن الإسلامي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت