العقيدة على واقع الحياة.. ولكنها فوق ذلك تكره الإسلام بصفة خاصة، وترصد له من وسائل الحرب ما لا يخطر على البال!
فأما كراهيتها للدين كله فقد قصصنا طرفًا من أسبابها في فصول الكتاب..
في أيام الإمبراطور قسطنطين فرضت الديانة المسيحية فرضًا على الإمبراطورية الرومانية.. بأمر الإمبراطور..
ومزجت العقيدة المسيحية السماوية بعناصر وثنية من التي كانت قائمة يومئذ، تأليفًا لقلوب الوثنيين، وتشجيعًا لهم على الدخول في الدين (1) ! فلما أصبح هذا المزيج المختلط غير مفهوم للناس، ادعت الكنيسة لنفسها التفرد بمعرفة"الأسرار"التي خفيت عليهم.. وعلقت
إيمانهم بالله، بالتسليم بهذه الأسرار دون مناقشة ودون علم.. وجعلت وساطة الكنيسة ضرورية لإتمام الاتصال بينهم وبين الله!
ثم فرضت الكنيسة لنفسها - عن هذا الطريق - سلطانًا بشعًا على القلوب والأفكار والمشاعر.
وفرضت عليهم الإتاوات من كل نوع..
ثم دعتهم إلى رهبانية تصادم الفطرة..
ثم تسامع الناس بعد فترة أن الأديرة ذاتها - مكان التطهر والعبادة والخلوص إلى الله - ترتكب فيها أبشع المحرمات.. يرتكبها"رجال الدين"المقدسون الأطهار!
ثم جاءت مهزلة صكوك الغفران لتجعل الأمر كله عبثًا لا يحترمه ضمير الإنسان..
ثم كانت الطامة حين وقفت الكنيسة في وجه العلم، وقامت تحرّق العلماء وتعذبهم باسم كلمة السماء!
من تلك اللحظة بذرت بذور الشقاق في أوربا بين الدين والعلم، والدين والحياة..
وكرهت أوربا ديانة الكنيسة، وأخذت تنسلخ منها على مر الأيام..
فلما ولدت النهضة - على ضوء ما قبسته أوربا من الحضارة الإسلامية والمعارف الإسلامية - قامت على مبعدة من الدين.. بل قامت على عداء مع الدين!
(1) راجع شهادة دريبر الأمريكي ص 28 من هذا الكتاب.