وقد كان لأوربا عذرها في صراعها مع"الكنيسة".. ولكن ما عذرها في صراعها مع"الدين"؟
على أي حال فالذي حدث بالفعل أنها كرهت الكنيسة ودينها.. ثم كانت في الوقت ذاته أشد كفرًا بالإسلام الذي علمها الحضارة وعلمها المعرفة وعلمها كيف تخرج من الظلمات إلى النور (1) !
فإذا كان لها"عذرها"مع الكنيسة.. فجريمتها مع الإسلام كانت تلك الروح الصليبية الكريهة التي جعلتها - رغم معرفتها بكل ما يحويه الإسلام من خير، ورغم قيام حضارتها الفعلية على هذا الخير - تحاربه وتطارده، وتشوه صورته في الآفاق!
وقد كانت اليهودية - منذ دهور لا تحصى - تقف بالمرصاد لكل دعوة جديدة، في الوقت الذي لم تحافظ هي على ميثاقها مع الله، ولم تتبع هداه..
فلما قامت"النهضة"الأوربية على عداء مع الكنيسة أدركت بفطنتها أنها فرصة سانحة لتحطيم المسيحية التي سامتها سوء العذاب.. فعملت على توسيع الهوة بقدر ما تستطيع.
فلما جاء دارون يصادم الكنيسة بنظرياته، دخلت اليهودية العالمية المعركة على اتساعها.. دخلت بعلمائها الثلاثة الكبار: ماركس وفرويد ودر كايم تحطم ما بقي من مفاهيم الدين (2) . ثم قامت تعمق الهوة التي تبتلع المسيحية كعقيدة، بإشاعة ألوان من الفساد الخلقي البشع الذي لا مثيل له - في اتساعه - في كل التاريخ، يحطم تماسك الأمم والأفراد ويشيع في بنيانها الانحلال، في الوقت الذي تركب اليهودية العالمية"سياسة"العالم في الشرق والغرب، فتسيطر في وقت واحد على الرأسمالية العالمية وعلى المذهب الماركسي!!
ثم.. اتجهت العداوة الصليبية الصهيونية المشتركة بكل عنفها وضراوتها إلى الإسلام!
فقامت أوربا الصيبية - تغذيها أموال الصهيونية وتنفخ فيها وتؤازرها - تستعمر العالم الإسلامي وتخضعه لنفوذها.. وتحاول اقتلاع الإسلام من جذوره، بالتبشير تارة، وبتشويه صورة الإسلام في نفوس المسلمين تارة، وإفساد الأخلاق تارة، وأخيرًا بتربية جيل من
(1) راجع شهادة بريفولت ص 28 من هذا الكتاب.
(2) انظر فصل"اليهود الثلاثة"في كتاب"التطور والثبات في حياة البشرية".