فيما بعد] (1) على العالم الحديث، ولكن ثماره كانت بطيئة النضج.. إن العبقرية التي ولدتها ثقافة العرب في أسبانيا، لم تنهض في عنفوانها إلا بعد وقت طويل على اختفاء تلك الحضارة وراء سحب الظلام؛ ولم يكن العلم وحده هو الذي أعاد إلى أوروبا الحياة. بل إن مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية بعثت باكورة أشعتها إلى الحياة الأوروبية. فإنه على الرغم من أنه ليس ثمة ناحية واحدة من نواحي الازدهار الأوروبي إلا ويمكن إرجاع أصلها إلى مؤثرات الثقافة الإسلامية بصورة قاطعة، فإن هذه المؤثرات توجد أوضح ما تكون، وأهم ما تكون، في نشأة تلك الطاقة التي تكوّن ما للعالم الحديث من قوة متمايزة ثابتة، وفي المصدر القوي لازدهاره: أي في العلوم الطبيعية وروح البحث العلمي"."
هذا الاحتكاك وذلك، هما اللذان أحدثا"النهضة"الأوروبية الحديثة. وبدلًا من أن تهتدي هذه النهضة بالمنهج الرباني، الذي أنشأ الحضارة الأصلية التي اقتبستها أوروبا، فإنها راحت تخاصم الإسلام في ضراوة، وفي الوقت ذاته تخاصم"الدين"و"العقيدة"!
فأما خصامها للإسلام فكان حصيلة التعصب الأحمق، الذي بلغ ذروته في الحرب الصليبية الضارية..
وأما خصامها للدين فقد أنشأته في نفوس الأوروبيين حماقة الكنيسة وتصرفاتها المثيرة للنفوس.
كانت الكنيسة تحارب"العلم"، لأن الجهالة هي سندها الأكبر في الاحتفاظ بسلطانها على الجماهير. ويوم تتعلم الجماهير.. يوم تعلم أن ما تلقنه إياها الكنيسة يشتمل على مجموعة من الأساطير التي لا تثبت للمناقشة.. يومئذ لن تسلم الجماهير قيادها للكنيسة بالسهولة التي يتم بها الأمر في ظل الجهالة والظلام!
(1) لم يعرف التاريخ"للعرب"حضارة متميزة إلا بالإسلام. ولم تكن الحضارة الإسلامية حضارة"للعرب"كجنس. إنما كانت نتاج الإسلام ذاته، من جميع العناصر المسلمة التي دخلت في الإسلام. وهي تحمل طابع الإسلام لا طابع العرب، الذين يكوّنون عنصرًا واحدًا من العناصر الكثيرة التي صنعت هذه الحضارة.