وكانت الكنيسة تحارب"الحرية"؛ لأن الحرية عنصر خطر على السلطان الغاشم. ويوم يحس الناس طعم الحرية ويتذوقونه، فلن يصبروا على العبودية، ولو كانت العبودية تفرض عليهم باسم الدين وسلطانه!
وكانت الكنيسة تفجر وتعبث داخل أديرتها وهياكلها، وهي تفرض على الناس الزهادة والتقوى، وتطالبهم بمكارم الأخلاق!
وذلك فوق الإتاوات والعشور.. وفوق مساندة الإقطاع ضد الفلاحين الذين يسحق كيانهم الفقر والحرمان..
فإذا قامت"النهضة"في أية لحظة، فستقوم ولا شك على مبعدة من"هذا"الدين.. إن لم تقم على عداء معه وبغضاء..
وذلك هو الذي حدث بالفعل..
ولدت تلك النهضة على أساس غير ديني"Secular". وارتكزت على محور يبتعد في دورانه رويدًا رويدًا عن الدين والعقيدة وما حولهما من مشاعر وأحاسيس.
لقد عادت إلى منابعها الأولى، فيما قبل المسيحية، إلى التراث اليوناني والروماني القديم! أي أنها عادت - وهي جاهلية - إلى الجاهليتين الكبيرتين اللتين كانتا سائدتين قبل جاهلية العقيدة المحرفة في العصور الوسطى.. في"عصور الظلام".
واعتبرت ذلك رجوعًا إلى"النور"..!
وحقا لقد كان هناك نور ولا شك.. النور الذي سطع من العالم الإسلامي على أوروبا المظلمة، فحرر عقولها من الخرافة، وحرر نفوسها من الخضوع المذل لسلطان الكنيسة الجائر، فاستنكفت العبودية للبشر، وسعت إلى الحرية من كل سبيل.
ولكنها لم تأخذ النور على أصوله، ولم تهتد بهديه الصحيح..
لم تتجه إلى الله على منهج الإسلام الذي اقتبست منه هذا النور.
بل لقد تنكرت حتى لأساتذتها الذين علموها العلم، فقامت - في وحشية محاكم التفتيش الشهيرة - تطرد المسلمين من الأندلس، لتردها إلى السلطان الغشوم!
لقد تعلمت من المسلمين"العلم". وتعلمت"الحضارة". وتعلمت"الحرية".