الصفحة 32 من 290

تعلمت المنهج التجريبي الذي قامت عليه نهضتها العلمية الحديثة.

وتعلمت التجمع في"أمم"بعد أن كانت إقطاعيات منفصلة يحكم كلا منها طاغية إقطاعي، تتمثل في شخصه السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية، ويتأله في إقطاعيته على العبيد.

وتعلمت حقوق الإنسان.. فقامت تطالب بتحرير كيان الإنسان وضميره من العبوديات التي تخنقه وتكتم أنفاسه..

ولكنها كانت رغم ذلك جاهلية. فقد رفضت أن تهتدي بمنهج الله في ذلك كله. وارتدت بذلك النور الذي قبسته من العالم الإسلامي، إلى تراثها الجاهلي القديم.. تراث الإغريق وتراث الرومان..

وضاعت الفرصة أمامها للنجاة..

لقد تعلمت، وتحضرت، وتحررت.. وشيدت حضارة ضخمة متطاولة.. ولكنها أقامتها على جرف منهار!

وقد مر بنا من قبل أن"الجاهلية"ليست مقابل ما يسمى العلم والحضارة والمدنية وتقدم الإنتاج المادي.. فكل ذلك يمكن أن يوجد، ويكون الناس رغم ذلك في جاهلية عمياء.

ومر بنا أن كل جاهلية لا تخلو من عناصر نافعة للبشرية.. ولكن ما فيها من النفع النسبي لا يرفع عنها وصمة الجاهلية، ولا ينقذها كذلك من النهاية الحتمية للجاهلية.

ولا نريد أن نتعجل الحديث.. إنما نسير خطوة خطوة مع التاريخ.

لم يكن الابتعاد عن الدين ضربة واحدة مفاجئة وحاسمة.. فليس هكذا طبائع النفوس!

إنما تحدث الأشياء في نفوس البشر في تدرج بطيء، جد بطيء. وإذا كان البطء يحدث في نفس كل فرد بمفرده، فإن الأمور أشد بطءًا في نفوس الجماعة، لأن تكتلها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت