يحمي الأفكار والمشاعر من الانهيار السريع، ويكوّن لونًا من المقاومة لكل وافد جديد.. يستوي في ذلك أن يكون البناء القائم مشتملًا على الخير أو الشر، وكذلك بالنسبة للوافد الجديد..
من أجل ذلك عاشت أوروبا قرونًا كاملة بشخصية مزدوجة، وثنية ومسيحية في ذات الوقت.
"النهضة"تسير في طريقها، مستمدة من الوثنية اليونانية والرومانية، ومحوِّلة كل تقدم يأتيها من الحضارة الإسلامية والعلم الإسلامي إلى طريق هاتين الجاهليتين العريقتين في التاريخ..
و"العقيدة"قابعة في ضمائر الناس، مؤثرة - إلى حد ما - في سلوكهم الشخصي وفي مفاهيم حياتهم، وإن كانت هذه الحياة تحكمها - رويدًا رويدًا - مفاهيم غير مستمدة من الدين، أو متعارضة مع الدين.
وفي ظل هذا الازدواج قام ما عرف في التاريخ الأوروبي باسم حركات"الإصلاح"الديني، تلك الحركات التي تحاول رد الدين إلى نقائه، وتحاول في الوقت ذاته بسط سلطانه على أوسع رقعة من الحياة.. ولكن ذلك لم يكن في الإمكان. أو هو على الأقل لم يحدث بالفعل. والسبب في ذلك أن الدين - حتى في مفهوم المصلحين أنفسهم - كان ما يزال يحمل ذلك الطابع الجاهلي، وهو فصل العقيدة عن الشريعة، والسماح لشريعة أخرى - غير شريعة الله - أن تحكم واقع الحياة. ومن ثم فكل"إصلاح"ديني، فهو إصلاح في الجانب القابع في الضمير، وليس في واقع الحياة!
وذلك فضلًا عن أن بواعث هذه الحركات الكامنة كانت بواعث"قومية"لا"دينية"في حقيقتها! فقد كانت"الشعوب"تريد إبراز"قوميتها"بانفصال كنيستها عن كنيسة روما البابوية.. وذلك أمر مناف لطبيعة العقيدة التي تجمع الناس على أساس توحدهم في الاتجاه إلى الله، لا على أساس قوميتهم أو الرقعة التي يسكنونها من الأرض!
إن الكيان البشري وحدة.. لا يمكن تفتيته إلى وجدان وواقع.
والحياة البشرية وحدة.. لا يمكن تفتيتها إلى مشاعر وسلوك.