مارد غاشم يكتسح كل شيء في سبيله، ويصر على تحطيم كل شيء"ثابت"في الطريق!
وقد تحدثت في كتاب"التطور والثبات"وفي كتب أخرى عن الرجة التي أحدثتها الداروينية في عالم العقيدة، وفي الفكر الأوروبي كله. ولا أملك هنا إعادة الحديث كله. فأكتفي بسرده في عبارة موجزة حتى نعود إليه مرة أخرى فيما يلي من الفصول.
إن فكرة التطور لم تنحصر في الدراسة المعملية التي قام عليها دارون، ولا كان في الإمكان أن تنحصر في هذا النطاق. وإنما انطلقت تصيب العلماء والجماهير، فتدير رءوسهم حتى لم يعودوا يرون شيئًا"ثابتًا"في الوجود كله، حتى فكرة العقيدة.. حتى فكرة الله!
وقامت الحرب العنيفة بين الكنيسة وبين دارون. هي تتهمه بالإلحاد وهو يتهمها بالجهالة والتخريف.. ووقفت الجماهير في مبدأ الأمر مع الكنيسة، فقد عزت عليها عقيدتها، وعز عليها أن يصورها دارون في صورة حيوانية هابطة. ولكنها عادت فوقفت في صف دارون، لأنها وجدتها فرصة سانحة لتحطيم ما بقي من سلطان الكنيسة الجائر الذي تستذل به الرقاب..
وانجلت المعركة عن انحسار الدين، وانتصار المارد المنطلق من القمقم لا يقف في طريقه شيء..
وفي أثناء ذلك كان الانقلاب الصناعي يدك الأرض دكًّا، ويقلب صورة المجتمع كله ليقيم بناءه الجديد..
بناء منفصل عن العقيدة..
كل شيء فيه يحارب الدين أو يجافيه..
الرأسمالية الطاغية لا تقف عند حد في امتهان"وصايا"الدين كله. فهي تسرق وتنهب وتقتل وتسفك الدماء. وهي تلهّي الناس عن حياتهم الجادة البسيطة، لتحصل على مزيد من الأرباح من بيع أدوات الترف والزينة والفساد [إلى جانب ما تقدمه لهم من نفع بطبيعة الحال] . وهي تُخرج المرأة لتعمل بحثًا عن لقمة الخبز، ثم تستغلها