الصفحة 46 من 290

ومن ثم كذلك فإن الجاهلية - أي الانحراف عن عبادة الله - تتلازم دائمًا مع وجود الطاغوت.

والسمة الرابعة المشتركة، وهي مترتبة كذلك على البعد عن منهج الله - وإن كانت أسبابها كامنة في الفطرة البشرية ذاتها - هي الانجراف في تيار الشهوات.

الشهوات أمر محبب للإنسان:"زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.." (1) .

وقدر من هذه الأمور كلها ضروري للحياة البشرية.. ضروري لمهمة الخلافة التي يتولاها الإنسان في الأرض. ومن ثم كانت"الدوافع"في كيان الإنسان، دوافع الطعام والشراب والمسكن والملبس. والجنس. والبروز. والتملك (2) . لتربطه بالحياة، وتدفعه إلى الحياة.

ولكنها حين تزيد عن قدرها المعقول، وتصبح"شهوة"مسيطرة على كيان الإنسان، فعندئذ لا تؤدي مهمتها الفطرية التي أوجدها الله من أجلها، وإنما تصبح مدمرة لكيان الإنسان، مبددة لطاقاته، صارفة له عن مهمة الخلافة، وهابطة به عن مستوى الإنسان الكريم الذي كرّمه الله وعلاه، إلى مستوى البهائم ومستوى الشياطين..

والذي يحد من اندفاعها وسيطرتها على كيان الإنسان.. هو العقيدة في الله، والحياة في ظل نظام يقوم على شريعة الله!

والتجربة البشرية الطويلة خلال القرون تؤكد هذه الحقيقة! إما الاهتداء بهدى الله وإما الانجراف في تيار الشهوات، كل الشهوات.. وشهوة الجنس في مقدمة الشهوات!

إن الإنسان لا يمكن أن يمتنع عن الشهوات أبدًا.. إلا لله!

لقد يخشى عقوبة القانون.. فيسعى إلى التستر على ما يعتبره القانون جريمة!

(1) سورة آل عمران [14] .

(2) انظر فصل"الدوافع والضوابط"من كتاب"دراسات في النفس الإنسانية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت