الصفحة 48 من 290

الضعيف بغيرحق، والانتصاف لا بالحق ولكن بقوة الذراع! وكانت الطواغيت.. طواغيت قريش وغيرها من كهنة وسدنة ووضاع للأعراف المنحرفة والتقاليد.. يحرّمون ما يشاءون تحريمه ويحلون ما يشاءون تحليله، وليس ذلك فقط بل"يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا" (1) إذا شاءت لهم الأهواء، ويمارسون سلطانًا باطلًا يستذلون به الناس ويتحكمون في رقابهم.. وكانت الشهوات.. الخمر والنساء والميسر، والقتل والسلب والنهب، والغارات والثأر والمفاخرة بالعدوان..!

واليوم على بعد أربعة عشر قرنًا من ذلك التاريخ تقوم الجاهلية الحديثة.. على نفس الأركان!!

فأما الانحراف عن عبادة الله - عقيدةً وشريعةً - فأمر أشهر من أن يشار إليه! أمر لا يقف عند حد الانحراف عن العقيدة في كثير من حقائقها، والانحراف عن الشريعة في كل مظاهرها.. وإنما يتعداه إلى الإلحاد الكامل، يتلهى به أفراد، أو تفرضه الطواغيت على الناس، وتباركه الشياطين في جميع الأحوال.

وأما اتباع الأهواء.. فليس في التاريخ قرن ركب رأسه واتبع هواه كما صنع هذا القرن.. في كل شيء.. في الشرق وفي الغرب سواء.. من تحطيم للعقائد. ولهو بالمقدسات.. وعبث بكل الضوابط التي تضبط تصرفات الإنسان.. و"تقاليع"و"مودات"وأفانين من العبث تفوق الحسبان.

وأما الطواغيت.. فما أكثرهم! طاغوت الرأسمالية تارة، وطاغوت البروليتاريا تارة، وطاغوت الفرد المقدس تارة، وطاغوت العرف الفاسد والقيم المنحلة تارة.. وهي في كل مرة طواغيت!

وأما الشهوات...!

تلك سمات لا تنجو منها جاهلية في الأرض.. في كل التاريخ.

فإذا عرفنا هذا القدر المشترك في كل جاهلية[وسنعود إلى تفصيله في الفصلين القادمين [فقد بقي أن نلم في هذه اللمحة السريعة بالخصائص المميزة للجاهلية الحديثة -

(1) سورة التوبة [37] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت