لتكتمل في أذهاننا صورتها العامة - وهي خصائص تنبع في الأصل من السمة الرئيسية الكبرى - الانحراف عن عبادة الله - ولكن الجاهلية الحديثة تنفرد بها من حيث صورتها وتفصيلاتها، لأنها نتيجة البيئة والظروف، و"التطور"العلمي والسياسي الاقتصادي والاجتماعي والفكري الذي حدث على مبعدة من منهج الله، وعلى عداء مع منهج الله (1) .
لقد كان لكل جاهلية في التاريخ سماتها الخاصة المميزة إلى جانب سماتها المشتركة..
كانت الجاهلية العربية مثلًا تتميز بوأد البنات، وبأشياء أخرى سخيفة ومضحكة، كخروج بعض الناس لحج بيت الله الحرام عاريا - في الحج!! - رجالًا ونساء!! وتحريم بعض الحرث والأنعام بلا سبب على هذا النحو المضحك:
"وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ، وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ، وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ، وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ.." (2) .
وكانت الجاهلية اليونانية تتميز بعبادة العقل.. وعبادة الجسم.. والجاهلية الرومانية بحلبات المبارزة الوحشية.. والجاهلية الهندية بنظام المنبوذين، وبتخصيص بغايا"لخدمة"المعابد!! يخدمنها ببذل أعراضهن المدنسة! ويكون ذلك جزءًا من"الدين"!! والجاهلية المصرية القديمة بعبادة الفرعون واستذلال كيان الشعب كله في خدمة ذلك الفرعون المقدس! وجاهلية القرون الوسطى بطغيان الكنيسة والفساد الخلقي في الأديرة، وصكوك الغفران..
وكذلك تتميز الجاهلية الحديثة بسماتها الخاصة التي تفردها بين الجاهليات بعد أن تشترك معها في بقية السمات..
(1) انظر الفصل السابق"صفحة من التاريخ".
(2) سورة الأنعام [136 - 139] .