الأمور بعقولهم، ولا يعيشون تفاصيل الحياة بوعيهم، يقفون - بوجدانهم الديني الخالص - موقفًا معينًا من الحياة. فهم يقبلون منها أشياء ويرفضون منها أشياء. وهم يفسرون ارتباطات الأشياء بعضها ببعض على صورة معينة، مستمدة من هذا الوجدان.
وإذن. فالدين - حتى في هذه النفوس الساذجة - موقف معين من الحياة، وتصور معين للحياة.
والذين يرون الدين - في فترات الجاهلية - ضعيف الأثر في حياة الناس وواقعهم، يُغْرون بالظن أن الدين هكذا.. ضعيف الصلة بالواقع؛ وأن الواقع مستقل عن العقيدة؛ محكوم بأسباب أخرى وروابط أخرى لا صلة لها بالدين!
وذلك الظن ذاته أثر من آثار الجاهلية، وإفسادها للتصور البشري!
إنه حين يضعف أثر الدين في حياة الناس الواقعية فمعنى ذلك أن العقيدة قد فسدت في النفوس! ومعناه كذلك بالتالي أن الحياة كلها لا تسير سيرها الطبيعي، وأنها واقعة لا محالة في لون من ألوان الانحراف.. تبدو آثاره الحتمية بعد حين.
حين يضعف أثر الدين في حياة الناس الواقعية فمعنى ذلك أن الناس لا يعبدون الله! لا يعبدونه حق عبادته. لا يفردونه بالعبادة، ويشركون معه آلهة أخرى، هي التي يحكّمونها في حياتهم الواقعية بدلًا من أن يحكموا الله ومنهج الله.
وذلك أول الفساد في العقيدة. أول"التعدد"الذي تتسم به الجاهليات كلها على مدار التاريخ.
وهذه السمة الجاهلية: تعدد الآلهة، ومن ثم ضعف أثر العقيدة في عالم الواقع، لتوزع إشعاعاتها وانكسارها، بدلًا من تجمعها ووحدة اتجاهها. هذه السمة تتبعها حتمًا نتائجها، وإن كانت بطيئة في ظهورها، فلا يحسها الناس في بلادة وعيهم إلا بعد حين!
أول نتائجها توزُّع خطى الكائن البشري على الأرض! خطوة مشدودة إلى الله، وخطوة مشدودة إلى"الواقع"! الواقع المنحرف الذي شرد عن منهج الله. وتضارب القيم في نفس الإنسان. تلك قيمة عالية بالنظر إلى المنهج الرباني وهابطة بالنظر إلى الواقع المنحرف عن منهج الله، وتلك قيمة محرمة في المنهج الرباني، وهي"مطلوبة"أو"ضرورية"في واقع الحياة!