الصفحة 56 من 290

ولهذا التوزع ثقلته على مشاعر الناس وضمائرهم.. وإن لم يحسوا بها في بلادة وعيهم إلا بعد أجيال!

وينطلق"الواقع"بعيدًا عن إشعاع العقيدة.. أي تنطلق"الآلهة"الجديدة بعيدًا عن منهج"الله"، فتفسد الأرض.

ينطلق"الواقع"خاضعًا للأهواء. خاضعًا للطاغوت. خاضعًا للشهوات.. ومن ثم يزداد فسادًا على فساد، وينتهي به الأمر إلى البوار، حين يصبح"الله"آخر معبود يُعبد، وتكون"الآلهة"هي المسيطرة على الحياة..

وتلك قصة أوروبا!

قصة طويلة تستغرق بضعة قرون..

بدأت أول ما بدأت بفصل"الدين"عن"الواقع".

ثم جاءت"النهضة"فباعدت بين الدين والحياة..

إن أوروبا في جاهلية القرون الوسطى لم تفهم على وجهه الصحيح قول المسيح عليه السلام:"أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله" (1) . ولم تسمع لقوله عليه السلام:"وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ" (2) .

وربما كانت هناك ظروف تاريخية ساعدت على هذا الانحراف. فالمسيحية - كما يقول"ليوبولدفايس"، المستشرق الذي أعلن إسلامه وصار اسمه"محمد أسد"في كتابه"الإسلام على مفترق الطرق"- لم تكن تملك أن تبسط سلطانها على الإمبراطورية الكبيرة التي تحكم بمقتضى القانون الروماني، والتي كان"الدين"فيها مظهرًا خاويًا من الحقيقة. فلما فرض قسطنطين المسيحية على الإمبراطورية في القرن الثالث الميلادي، لم يفرضها إلا عقيدة وجدانية لا تحكم الواقع بتشريعها الرباني. فقد كان - حتى في عالم العقيدة البحتة - يمزج الوثنية الرومانية بدين الله.. فما بالك بالتشريع؟!

(1) إنجيل متى إصحاح 22 آية 21.

(2) سورة آل عمران [50] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت