الصفحة 57 من 290

ومع ذلك فبحكم تحمس الناس للعقيدة الجديدة كان لها سيطرة - جزئية - على الواقع الذي يعيشونه.

فلما جاءت"النهضة"تغير الميزان.. لم يعد مركز الثقل هو العقيدة، وإنما أصبحت الحركة الجديدة - التي تستمد من الهيلينية القديمة مفاهيمها الفكرية وتصوراتها - هي الوجه الجديد الذي أخذ - في تدرج بطيء - يسيطر على الحياة.

أخذ مركز الثقل ينتقل من"الله"إلى"الآلهة".

وكان لذلك سببان كبيران، أحدهما واضح في الشعور والفكر، والآخر خفيّ في الأعماق.

فأما السبب الظاهر فقد تمثل في حرب الكنيسة للعلماء والعلم، وكل مفهوم للحركة والتطور، خوفًا على سلطانها التقليدي أن يزحزحه العلم عن مكانه، ويستبدل به سلطانًا آخر لا تكون الكنيسة طرفا فيه. فلما ولدت الحركة"العلمية"كانت بطبيعتها معادية للكنيسة أو على الأقل مباعدة لسلطانها؛ كما كانت كذلك"النهضة"الفكرية والحضارية، لأنها حركة وتطور، مخالفة لإرادة الكنيسة في تثبيت الأوضاع على ما هي عليه إلى آخر الزمان.

وكان طبيعيا أن تسيطر النهضة الفكرية والحضارية على الحياة الواقعية، لأنها بطبيعتها متصلة بالواقع الأرضي والحياة اليومية. وما دامت الكنيسة لا تبارك هذه النهضة ولا تواكبها، فقد كان الأمر المنطقي مع الظروف هو استمرار التباعد بين الحياة الواقعية و"هذا"الدين الذي تمثله هذه الكنيسة.

ولقد كانت تلك هي الفرصة المناسبة لتصحيح الأوضاع كلها، والخروج من الجاهلية الشاملة إلى منهج الله الحق. ولكن أوروبا - كما بينا من قبل - قد رفضت هذه الفرصة المتاحة، بدافع من الروح الصليبية الغالبة عليها، فأخذت من المسلمين علومهم، ومذهبهم التجريبي، ومظاهر حضارتهم، وأبت أن تأخذ المنهج الرباني الذي يقوم عليه البناء كله. فكان بناؤها منذ اللحظة الأولى"للنهضة"منحرفًا عن منهج الله.

ذلك هو السبب الظاهر.

أما السبب الخفي فهو ذلك الميراث النكد من الجاهلية اليونانية القديمة، الذي بعثته الهيلينية العائدة في أعماق الضمير الأوروبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت