الصفحة 58 من 290

بروميثيوس، سارق النار..

إنه هو"الإنسان"الأوروبي الحديث.!

لقد فعلت هذه الأسطورة فعلها في مشاعر الأوروبيين وضمائرهم، فجعلتهم - هي وأمثالها - وهم يكتسبون المعرفة، يحسون بالعداوة مع الله!

لقد وقر في أخلادهم من هذه الأسطورة وأمثالها أن الله - أو الآلهة! - لا يحبون للإنسان الخير، وبصفة خاصة لا يحبون له"المعرفة". وإنما تؤخذ المعرفة اغتصابًا من الله - أو الآلهة - ويتحقق الخير على كره وعداء.

ووقر في أخلادهم - كما قال جوليان هكسلي صراحة في كتابه"الإنسان في العالم الحديث"- أن الجهل والعجز فقط هما اللذان يخضعان الإنسان لله! فإذا زادت معرفته وقوته فلا موجب إذن لفكرة الله، وما يرتبط بها من عبادات.. وليكن الإنسان هو الله!

ولم تصل الأمور إلى هذا الحد دفعة واحدة بطبيعة الحال. فطبائع النفوس بطيئة التحول، وخاصة في شئون العقيدة. ومن ثم تحتاج إلى زمن طويل يمتد إلى أجيال.

في المرحلة الوسطى قامت عبادة"الطبيعة"بدلًا من عبادة الله.

وكانت الطبيعة مهربًا وجدانيا من إله الكنيسة الذي تستعبد الناس باسمه، وتفرض عليهم الإتاوات والعشور، والخدمة المجانية في أرض الكنيسة والخدمة العسكرية في جيوشها، وتستذل الرقاب"لرجال الدين". كانت إلهًا لا كنيسة له ولا فرائض.. ولا التزامات كذلك. إلهًا يستجيب لرغبة الفطرة في التوجه إلى"الخالق"بالعبادة، وفي الوقت نفسه يستجيب لرغبة أوروبا في الفرار من سلطان"الدين"كما مارسته الكنيسة الأوروبية بضعة قرون.

وفي الوقت الذي كانت الطبيعة فيه تُعبد على هذا النحو، كان"الله"لا يزال موجودًا في ضمائر الأوروبيين، يتوجهون له بالوجدان، ويعبدونه داخل الكنيسة، ويصوغون من وحي منهجه بقية من أخلاقهم وتقاليدهم.. بحكم العادة أكثر من حكم الإيمان.

وهكذا تعددت الآلهة المعبودة، وتعقدت بينها العلاقات!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت