الصفحة 59 من 290

الله، المحبوب المرهوب، مرتبط بلحظة الصلاة في الكنيسة، و"بعض"لحظات الحياة العابرة.. بلا ميزان.

والطبيعة، المحبوبة المرهوبة، مرتبطة بالمشاعر الفنية من ناحية، فقد راحت الحركة الرومانتيكية توليها عناية زائدة، وتصوغ حولها أشعارها ورسومها ووجداناتها؛ وبالتقدم العلمي من ناحية أخرى، فقد أخذ العلماء يكتشفون"القوانين الطبيعية"التي تسيّر الكون، وينسبونها إلى هذه"الطبيعة"كقضية مسلمة لا يناقشها العقل، ولا منطق العلم ذاته الذي يكتشف هذه القوانين!

والدولة وقوانينها هي الإله الثالث الذي تعبده الجماهير راضية أو كارهة.. وتخضع لسلطانه خضوعها لله.

وهكذا تفرق الدين الواحد ثلاث شعب متنافرة، لا شعبتين فحسب كما كان في جاهلية القرون الوسطى، حين كان عقيدة وشريعة منفصلتين، يحكم كلا منهما إله.

ثم حدث بالتدريج تحول آخر..

صار"الله"نسيًا منسيا في قلوب الأوروبيين.

قل سلطانه على المشاعر وسلطانه على السلوك.

وبرز بدلًا منه"الإنسان"!

لقد انهار الإقطاع وجاء على أعقابه - بعد مولد الآلة - الانقلاب الصناعي، وجاء معه انقلاب في المشاعر والأفكار.

جاء الانقلاب الصناعي في هذه الجاهلية التي لا تعبد الله - إلا من"الظاهر"- فاتسم بسمات الجاهلية الحاكمة.. ولكنه دفعها دفعة جديدة في الطريق.

فلئن كانت عواطف الريفيين ووجداناتهم ترتبط بالله وتعبده - مع إشراك الآلهة الأخرى - لأنهم يتطلعون إليه في إنبات الحب وإنضاج الثمر ومباركة الأرض وحفظها من الصقيع أو الآفات.. فقد كانت عواطف سكان المدينة ووجداناتها - التي تسيطر عليها الجاهلية - لا ترتبط بالله ذلك الارتباط!

إن"الإنسان"هو الذي يقوم بعملية الإنتاج في المدينة، وليس"الله"! كذلك ظنت الجاهلية في الانقلاب الصناعي، أو كذلك أريد لها أن تكون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت