الصفحة 60 من 290

إن الإنسان"بعلمه"هو الذي عرف خواص المادة. وبعلمه اخترع الآلة التي تقوم بالإنتاج..

والإنسان هو الذي يدير الآلة - ويقفها إذا أراد - وهو الذي يضع فيها المادة الخامة لتخرج من الناحية الأخرى مادة مصنعة..

وإذن فالأولى عبادة الإنسان الصانع، بدلًا من عبادة الله!

وفي تلك الأثناء كانت"الطبيعة"قد فقدت سحرها وألوهيتها في ضمائر الناس!

فمن ناحية لم يعد الفن معنيا بالطبيعة كما كان في الفترة الرومانتيكية السابقة، وإنما صار - في الفترة"الواقعية"- معنيا بالإله الجديد.. بالإنسان!

ومن ناحية أخرى كشف العلم الغطاء عن كثير من"أسرار"الطبيعة، وزاد في الوقت ذاته من سيطرة الإنسان عليها، فلم يعد لها سلطان!

وبذلك انتقلت الألوهية من الله، والطبيعة، وتركزت في الإنسان..

وفي تلك الفترة قال الإنسان: إنه من العار عليه أن يعبد الله! من العار أن يعبد قوة غيبية لا تدركها الحواس! من العار أن يأخذ من هذه القوة الغيبية التي لم يرها - ولن يراها - أخلاقه وأفكاره ومشاعره وتقاليده.. من العار أن تشرع له قوة أسطورية لا وجود لها في الواقع، فيطيع تشريعاتها طاعة عمياء.. لا يناقش، ولا ينقد، ولا بيدي"رأيه"في هذه الشريعة المنزلة.. منزلة من عالم الأساطير!

لقد شب الإنسان عن الطوق! لم يعد يليق به أن يصنع ما كان يصنعه في أيام الجهالة، أيام الضعف، يوم لم يكن يعرف حقيقة الكون من حوله، ولا يستطيع أن يسيطر على البيئة والطبيعة. لم يعد يليق به أن يعبد الله، أو يسمع كلام الله، أو يصيخ لأوامر الله..

ينبغي أن يضع كل شيء موضع النقد والتمحيص.. والمقياس هو"العقل"الإنساني. فما وافق عليه هذا العقل فهو الصواب الذي ينبغي أن ينفذ، وما خالفه فباطل وأساطير..

وينبغي أن يكون الإنسان هو المشرع.. هو الذي يشرع لحياته، فهو أدرى بنفسه وحاجاته وظروفه المتطورة من ذلك"الإله"الذي كان في القرون الوسطى، ولم يكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت