إنما قال لهم إنهم جاهليون لأنهم يحكّمون أهواءهم ويرفضون حكم الله.. وأعطاهم البديل من الجاهلية.. الإسلام.
فذلك هو المقياس الذي يقيس به القرآن الحياة البشرية.. وهو المقابل للجاهلية، سواء جاهلية العرب أو أية جاهلية غيرها في التاريخ..
ولقد قص القرآن عن"حضارات"كثيرة في أمم خيالية، كانت - ولا شك - أكثر تحضرًا من العرب حين نزل عليهم الإسلام، ومع ذلك اعتبرها الإسلام جاهلية لأنها لا تهتدي بهدى الله:"أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ، ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ" (1) .
فهنا يوجه القرآن العرب"الجاهليين"إلى النظر في أمر"جاهلية"سابقة، ليروا نتائجها ويحذروها، فلا يكذبوا بآيات الله، بل يؤمنوا بها ويهتدوا. وإن كان لا يستخدم هنا لفظ"الجاهلية"بالتحديد، فإنه يستخدم مدلولها، ويقول للعرب الجاهليين: هؤلاء مثلكم في الجاهلية، وإن كانوا أكثر منكم قوة وتعميرًا للأرض و"حضارة"و"مدنية".. فخير لكم أن تخرجوا من الجاهلية - التي تشملكم وتشمل تلك"الحضارة"المنحرفة سواء - بأن تدخلوا في هدى الله وتصبحوا مسلمين..
الجاهلية - إذن - حالة نفسية ترفض الاهتداء بهدى الله، ووضع تنظيمي يرفض الحكم بما أنزل الله.. ثم تصيبها النتائج الحتمية لهذا الانحراف. نتائج تختلف باختلاف صورة الانحراف ومداه.. ولكنها تتفق في أنها اضطراب في حياة البشر وشقاء، وقلقلة وتدمير وعذاب..
ومن ثم فهي ليست محصورة في الجاهلية العربية ولا في فترة من الزمن معينة.. وإنما هي حالة يمكن أن توجد في أي وقت وفي أي مكان.. كما توجد كذلك في أي
(1) سورة الروم [9: 10] .