وهكذا تقوم هذه الآلهة - الحتمية - بصياغة حياة الناس وتسيير خطواتهم على الأرض، دونما اعتبار لمشاعر الناس وأفكارهم، وسعيهم وراء الحق والعدل الأزليين أو انصرافهم.. إنها آلهة لا تستجيب"لمشاعر"الناس، ولا تتعامل مع"نفوسهم"كما يستجيب الله للمشاعر ويتعامل مع النفوس. ولا حتى كآلهة الجاهليات الأولى - رغم انحرافها، وصراعها الوحشي مع الإنسان - وإنما تسير في حتميتها المرسومة في صرامة آلية مذلة لكرامة الإنسان!
وهكذا ظل"الإنسان"ينحدر في عبادته ويتدهور! من عبادة الله مع إشراك آلهة أخرى - إلى عبادة الطبيعة - إلى عبادة ذاته، وما تلا ذلك من صراعات مدمرة - إلى عبادة تلك الآلهة الجاسية الصارمة الصلبة المستذلة لكيانه، التي لا يجد في رحابها سوى قسوة الحتمية وذلة الهوان!
بئس الجاهلية.. جاهلية القرن العشرين!!
لقد كان كله انحدارًا بلا منطق، ولا بصيرة، ولا مبررات!
فحين بدأ الانحراف بإشراك آلهة أخرى مع الله.. لم يكن له سند ولا مبرر!
إن من يعرف الله حق المعرفة لا يمكن أن يقدم على الشرك في أية صورة من صوره. ولكن أوروبا التي أخذت عقيدتها ممتزجة بالوثنية الرومانية - على يد الإمبراطور قسطنطين - لم تعرف الله في حقيقته العلوية، وإنما استمرت في جاهليتها.. كل يوم تزداد!
وبعض المؤرخين يميل إلى تفسير انحراف المسيحية عن تطبيق شريعة الله - المنزلة على موسى وعيسى عليهما السلام - بأنها نشأت في ركن صغير من الإمبراطورية الرومانية، فلم يكن لها قِبل بفرض سلطانها الحقيقي على تلك الإمبراطورية المترامية الأطراف. وذلك يفسر جانبًا واحدًا من جوانب الأمر، ويغفل الحقيقة الأخرى، وهي أن العقيدة في ذاتها لم تكن سليمة في تصور هؤلاء المسيحيين.. وإلا فلو كانت سليمة لما وقفت قوة الإمبراطورية الرومانية في طريقها.. كما لم تقف أمام قوة الإسلام كل قوى الجاهلية في داخل الجزيرة العربية وخارجها، بما في ذلك الإمبراطورية الرومانية كلها،