المعجزة والإيمان بثبوت سنة الله في الكون - التي يترتب عليها إمكان قيام البحث العلمي وتتبع نتائج المشاهدات - لأن هذه حقيقة وهذه حقيقة. والحق لا يتعارض بعضه مع بعض إلا في العقول الضيقة التي تعجز عن الشمول.
إن"المشكلة"الكبرى في الذهن الأوروبي الضيق، هي أنه لو حدثت المعجزة حقا في أي وقت لاضطرب نظام الكون كله، لأنه كله مترابط بقانون ثابت.. إذا حدث كذا ترتب عليه حتمًا نتيجة معينة!
من الذي رتبها؟ أليس هو خالقها؟ فكيف يعجز الخالق - حين يريد - أن يرتب عليها نتيجة غيرها في لحظة معينة، لغاية عليا يريد تحقيقها.. ثم تسير في سنتها"المعتادة"بعد انقضاء هذه الغاية المرادة؟
ومع ذلك"فالعلم"كله - بما في ذلك قوانين الطبيعة"الحتمية"- كله فروض، وكله احتمالات! (1) .
يقول سير"جيمس جينز"العالم الإنجليزي في الطبيعة والرياضيات، الذي بدأ حياته ملحدًا شاكًّا، ثم انتهى بأنه لا بد لحل مشكلات العلم من التسليم بوجود الله:
"لقد كان العلم القديم يقرر تقرير الواثق أن الطبيعة لا تستطيع أن تسلك إلا طريقًا واحدًا: وهو الطريق الذي رسم من قبل لتسير فيه من بداية الزمن إلى نهايته، وفي تسلسل مستمر بين علة ومعلول، وأنه لا مناص من أن الحالة"أ"تتبعها الحالة"ب". أما العلم الحديث فكل ما يستطيع أن يقوله حتى الآن: هو أن الحالة"أ"يحتمل أن تتبعها الحالة"ب"أو"جـ"أو"د"أو غيرها من الحالات الأخرى التي يخطئها الحصر. نعم إن في استطاعته أن يقول: إن حدوث الحالة"ب"أكثر احتمالًا من حدوث الحالة"جـ"وإن الحالة"جـ"أكثر احتمالًا من الحالة"د".. وهكذا بل إن في مقدوره أن يحدد درجة احتمال كل حالة من الحالات"ب"و"جـ"و"د"بعضها بالنسبة إلى بعض. ولكنه لا يستطيع أن يتنبأ عن يقين: أي الحالات تتبع الأخرى. لأنه يتحدث دائمًا عما يحتمل. أما ما يجب أن يحدث فأمره موكول إلى الأقدار.. مهما تكن حقيقة هذه الأقدار!".
(1) راجع شهادة العالم الأمريكي"ماريت ستانلي كونجدن"في هذا الفصل ص 78.