وقد كانت هذه الضلالة التي تظن أن الوجود بلا غاية، هي التي أدت إلى الانحراف في تصور الحياة وأهدافها وارتباطاتها.
إن الحياة التي نشأت مصادفة (!) بلا تدبير من خالق مدبر ولا حكمة، والتي أدت مصادفة إلى خلق الإنسان.. لا يمكن أن يكون لها ارتباطات ولا أهداف..
يقول دارون: إن الحياة تخبط خبط عشواء في تطورها! .. بما في ذلك نشأة الإنسان، وتطور الإنسان!
ومن ثم تلقي هذ الضلالة ظلها على تصور الإنسان لغاية وجوده وأهداف حياته.
إنها الضياع!
إنها الشقاء الأليم الذي لا يقف عند حد!
إنها المرارة والحسرة.. أو التكالب الذي لا حد له على المتاع!
إنها الصراع اليائس، الذي لا ينتظر تأييدًا من قوة عليا، ولا سندًا من رب عطوف.. ومن ثم ينقلب إلى صراع وحشي.. صراع مجنون..
وسنتكلم في الفصل القادم عن الآثار التي تركها هذا التصور المدمر في كيان الإنسان وسلوكه الواقعي، فردًا وجماعة وجنسين، وشعوبًا وقبائل. ولكنا هنا نتحدث عنه من حيث هو فساد في التصور فحسب.
فحين انقطع الإنسان عن الله، وانبتت العلائق بينه وبين خالقه، شرد في الأرض بغير هاد.
شرد.. فلم يستطع أن يدرك غاية وجوده، ولا مكانه الكريم عند الله، ولا دوره البارز في هذا الكون.. حتى وهو يتبجح إزاء خالقه فيقول: إنه هو - الإنسان - سيد هذا الكون ومدبر أمره! إنه يقول هذه الكلمة الفارغة منتفشًا في تبجح إزاء خالقه فحسب. ولكنه ما إن يخرج - في وهم نفسه - من دائرة نفوذ الله ووصايته، حتى تتلقفه الشياطين! تتلقفه الآلهة المزعومة - تلك الحتميات! - تمرغه في الوحل، وتستذل كبرياءه وتمحق وجوده، وهو صاغر مستسلم ذليل!
لم يستطع أن يدرك حقيقة نفسه ولا غاية وجوده: