الصفحة 78 من 290

"فالإنسان (في رأي دارون) حيوان كغيره. ولذلك فإن آراءه في معنى الحياة الإنسانية، والمثل العليا الإنسانية، لا تستحق بالنسبة لباقي الكائنات تقديرًا أكثر من الدودة الشريطية أو بكتريا الباشلس. والبقاء هو المقياس الوحيد للنجاح التطوري. ولذلك فكل الكائنات"

الحية الموجودة متساوية القيمة. وليست فكرة التقدم إلا فكرة إنسانية (!) ومن المسلم به أن الإنسان في والقت الحاضر سيد المخلوقات. ولكن قد تحل محله النملة أو الفأر"!! (1) ."

ومن ثم راح يتخبط في تصوره الحيواني لذات نفسه، وغاية وجوده.. فهبط بالفعل إلى مستوى النملة والفأر!!

ثم لم يدرك أن الحياة لا يمكن أن تنتهي بانتهاء هذه الفترة المحدودة على ظهر الأرض!

إن الصورة لا يمكن أن تكتمل حين نتتهي عند هذا الحد.. فالحياة - بصراعاتها ونقائضها، ومظالمها التي لا تعد - عبث باطل إذا كانت هي الأولى والأخيرة، والبدء والانتهاء! عبث لا يتبين فيه الحق من الباطل. عبث يتنزه عنه الإنسان المفكر ذاته، فضلًا عن أن يصدر عن إله!

وحين انقطعت قلوبهم عن الله.. حين اقتطعوا الصورة قبل اكتمالها.. حين نظروا في هذا الحيز الصغير المحدود الذي يعيشونه في هذه الدنيا، بدت لهم الصورة - ولا شك - مشوهة قائمة، لا معنى لها ولا دلالة.. فانطلقوا يعوون صارخين: إن الحياة كلها باطل وعبث وفوضى واضطراب! وانطلقوا يتكالبون في صراع وحشي على المتاع.. فهي فرصة واحدة زائلة.. من لم يهتبلها اللحظة.. فلا رجوع!

وشردوا كالسائمة.. يصطرعون ويتخبطون.. بلا هدف ولا غاية ولا دليل.. ولا طمأنينة ولا سعادة ولا راحة في هذا الخضم المجنون...

والضلالة"الواسعة"الناشئة في أصلها من ضلالة الانقطاع عن الله، هي تصور

(1) جوليان هكسلي في كتاب"الإنسان في العالم الحديث"ص 2 من الترجمة العربية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت