كل جاهلية، قديمة أو حديثة - إلا أنه كان يتخذ صورة بسيطة غير معقدة، صريحة على كل التوائها، مباشرة على كل تخابثها، ذلك أن الفساد لم يكن في أصل الفطرة بقدر ما كان في مظهرها الخارجي.. فما هو إلا أن عرك الحق القشرة الخارجية الزائفة حتى استسلمت الفطرة للحق الأزلي، وانجابت الظلمات..
أما الجاهلية الحديثة فشأنها أوعر، وأخبث، وأعنف..
إنها جاهلية"العلم"!
جاهلية البحث والدراسة والنظريات!
جاهلية النظم المستقرة المتعمقة في التربة!
جاهلية التقدم المادي المفتون بقوته، المزهو بما وصل إليه من آفاق!
جاهلية الكيد المنظم المدروس المخطط الموجَّه لتدمير البشرية.. على أسس علمية!
جاهلية لا مثيل لها في التاريخ..
وهذا الكتاب مَعْنِيّ بدراسة هذه"الظاهرة"التي يعيش فيها القرن العشرون.. ظاهرة الجاهلية..
مَعْنِيّ بدراسة أسبابها. وملامحها. وانعكاساتها في تصورات البشر وسلوكهم الواقعي. ونتائجها في حياتهم. ومستقبلها.
وشواهدنا في هذه الدراسة مستمدة كلها من الواقع الذي نعيش فيه، سواء في الشرق أو الغرب..
شواهد من كل الأرض..
وهدفنا من هذه الدراسة هو تصحيح التصور وتصحيح السلوك. هو كشف هذه الجاهلية التي تفتن الناس باسم"التقدم"و"التطور"و"الحضارة"و"المدنية".. حتى يفيئوا إلى أنفسهم، ويعرفوا حقيقة الهوة التي ينحدرون إليها، وهم يحسبون أنهم مهتدون..