التفسير المادي للتاريخ، وبطله ماركس - وقد مر بنا طرف منه - يفسر الحياة الإنسانية كلها من خلال حيوانية الإنسان. تاريخ البشرية هو تاريخ البحث عن الطعام! أي أن الضرورة القاهرة هي المسيطرة على حياة الإنسان.
الإنتاج المادي هو الذي يعين للناس وجودهم ومشاعرهم! اي أن القيم المعنوية عرض زائل - لا جوهر - والجوهر الأوحد هو الكيان المادي للحياة والإنسان.
وفضلًا عن ذلك فقد أخذ هذا التفسير عن الداروينية فكرة التطور، فحولها إلى لوثة تصيب كل القيم وكل الاعتبارات..
فالقيم المعنوية لأنها عَرَض للقيم المادية، فهي"متطورة"لا تثبت على حال. ليس هناك حق أزلي ولا عدل أزلي. إنما هناك قيم متغيرة على الدوام. ما يبدو اليوم فضية - لأنه انعكاس طور اقتصادي ومادي وإنتاجي معين - قد يبدو رذيلة غدًا حين يتغير الطور الاقتصادي والمادي والإنتاجي. وليس هذا مجرد فرض. وإنما هو"حقيقة"!!
فالتدين فضيلة في الطور الإقطاعي. وفي الطور الصناعي يصبح التدين تأخرًا وجمودًا ورجعية! والإلحاد هو الفضيلة! والعفة الجنسية فضيلة في المجتمع الإقطاعي. وفي المجتمع الصناعي"المتطور"تصبح العفة الجنسية أضحوكة وسخرية، لأن المرأة استقلت اقتصاديا!! ولم يعد الرجل هو الذي ينفق عليها فيستذلها بطلب النظافة في الشعور والسلوك!! والرجل بدوره"تحرر"من القيود ولم يعد ملزمًا أن يتطهر في شعوره وسلوكه.. لأن الإله الجديد -سواء كان رأس المال في الغرب أو"الدولة"في الشرق - لا يطالب أحدًا، ولا يعنيه، أن يتطهر الناس أو يفسقوا بل يعنيه الأمر الأخير!
إنه تفسير يأخذ الإنسان من جانبه المادي الحيواني، ويتحاشى أن يذكر"روحه". بل يصر إصرارًا على السخرية من هذه الروح.. لأن الجاهلية الحديثة لا تؤمن بالله. ولا تؤمن بالنفخة العلوية في كيان الإنسان من روح الله.
والتفسير الجنسي، وبطله فرويد.. ضلالة أبشع.
إنه لا يكتفي بتصوير الإنسان حيوانًا، وإنما يصوره حيوانًا ممسوخًا مشوهًا، ينبع كله من طاقة واحدة من طاقاته.. هي الطاقة الجنسية.