من الجسد إذن تنبع النفس.. وليست"النفس"أصلًا جوهريا في كيان الإنسان!
ولقد ناقشت هذه التفسيرات - وأمثالها - كثيرًا من قبل، في أكثر من كتاب. (1) ولا ضرورة بنا للنقاش المفصل لبيان زيفها، وضآلة الجانب الذي تفسره من حياة الإنسان. ولكنا نكتفي بإشارات عابرة تنوّر الطريق:
إن هذه التفسيرات جميعها ترتكب ضلالة مشتركة.. إنها تفسر الإنسان من جانب واحد من كيانه: هو أضأل الجوانب في ذلك الكيان! تفسره من جانب الجسد وضروراته، متأثرة في ذلك بالتفسير الحيواني للإنسان.
وفضلًا عن أن أية نظرة جزئية للإنسان، هي نظرة خاطئة لأنها تهمل بقية كيانه، ومن ثم تعطي عنه صورة مزيفة لا وجود لها في الواقع.. ويزيد الأمر سوءًا حين تفسر الحياة البشرية كلها من خلال هذا الجزء وحده، ومن خلال تلك الصورة المزيفة..
فضلًا عن ذلك، فإن الجانب الذي أهملته هذه التفسيرات كلها هو بالذات الجانب الذي أعطى الإنسان إنسانيته، وفرّقه عن الحيوان!
إنها جميعًا تهمل جانب الروح أو تلغيه!
فالتفسير المادي للتاريخ، الذي يجعل البحث عن الطعام هو رائد تفكير الإنسان..
والتفسير الجنسي للسلوك، الذي يجعل الجنس هو رائد حياة البشرية..
والتفسير الجثماني للمشاعر، الذي يجعل الجسد هو منبع النفس..
كلها - وأمثالها - لا تدع مكانًا للروح في كيان الإنسان أو في واقعه الحي على ظهر الأرض. وتصوره جميعًا في نطاق الحيوان.. ثم لا تفسر: لماذا إذن اختلف واقعه في الأرض عن واقع الحيوان؟!
إن الحيوان يبحث عن الطعام.
(1) الإنسان بين المادية والإسلام. معركة التقاليد. دراسات في النفس الإنسانية. التطور والثبات في حياة البشرية.