وإما أن تكون حقيقته هي الجماعية.. فالفرد إذن ظالم متبجح دنس يحاول أن يخرج على المجموع ليحقق بأنانيته الظالمة كسبًا حرامًا على حساب المجموع!
ولا يجتمع الجانبان قط على توازن واعتدال في تصور الجاهلية الحديثة.
ثم تنشأ على كل من هذين التصورين المنحرفين نظم في السياسة والاقتصاد والاجتماع (1)
لماذا؟!
لماذا لا ترى الجاهلية حقيقة الواقع؟ أن الإنسان مركب من الجانبين معًا على توازن واعتدال؟ فهو فرد مستقل، وعضو في المجتمع في ذات الوقت. فرد يحب أن يشعر بذاتيته ويحققها. وعضو في المجتمع، يحب الاجتماع بالآخرين، ويهفو إلى صحبتهم، ويأنس إلى الوجود بينهم؟
حقيقةً إنه كثيرًا ما يقوم الصراع بين الجانبين.. ولكن هذا لا ينفي (أولًا) أنهما موجودان معًا في الواقع الخارجي وفي داخل النفس. ولا ينفي (ثانيًا) أن الصراع بينهما يمكن أن تخف حدته إلى أقصى حد، حين يستقيم منهج الحياة.
ولكن الجاهليات قد أبت أن تصيخ للمنهج الحق.. منهج الله..
ونشأ عن ذلك ألوان لا حصر لها من الفساد في التصور والسلوك.. ولكننا هنا - في هذا الفصل - مشغولون فقط بفساد التصور، نتتبعه في كل مجال..
لقد نشأ من انحراف الجاهلية في تصور النفس البشرية.. الناشئ في الأصل من انحرافها عن عبادة الله.. أن فسدت تصوراتها للعلاقة القائمة بين الإنسان والإنسان، فردًا وجماعة وجنسين، وشعوبًا وقبائل..
فأما الفرد - فيما بينه وبين نفسه - فقد صُوِّر على أنه مجموعة من الصراعات التي لا تهدأ، ولا يمكن ان تهدأ! بل زادت الجاهلية فباركت هذا الصراع أحيانًا على أنه
(1) سنناقشها كلها في الفصل القادم.