الصفحة 88 من 290

الوسيلة المثلى للتقدم والرقي والنشاط الإيجابي في الأرض، وأن الطمأنينة النفسية والسكينة سلبية مريضة ينبغي أن يترفع عنها الإنسان! وورد في تعبيراتهم أن"القلق المقدس"هو الذي يدفع بالحياة إلى الأمام..! ولقد ظل هذا القلق المقدس (!) يدفعهم حقا.. ولكن إلى الحيرة والاضطراب والجنون وضغط الدم والاختلالات العصبية والنفسية.. حتى ضاقت بهم مستشفيات الأمراض العقلية والعيادات النفسية. واعتبر الجنون من"أمراض المدنية!"والاختلال من سمات"الحضارة"!

كلا! إنها الجاهلية.. فالنشاط الحيوي الدافق شيء، والقلق شيء آخر!

ولقد كان المسلمون الأوائل في صدر الإسلام أنشط جماعة بشرية عرفها التاريخ! الفتح الذي شمل الأرض من المحيط إلى المحيط في أقل من نصف قرن.. الحركة العلمية الفائقة.. التنظيمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. المذاهب الفكرية في تفسير كتاب الله وتطبيقه في واقع الجماعة، التي نشأت عنها مدارس الفقه المختلفة الغنية بالأصالة والحركة والنشاط.. كل ذلك وغيره تم في فترة لا مثيل لها في القصر. وكان الناس أحياء متحركين، ولكن في طمأنينة نفسية وسكينة. لأنهم كانوا يتوجهون بعملهم كله ونشاطهم كله إلى الله، فتطمئن قلوبهم بذكر الله.

وأما الفرد - فيما بينه وبين المجتمع - فقد صُوِّرت علاقته على أنها الصراع الدائم والتطاحن الذي لا يهدأ ولا يمكن أن يهدأ! وأنشئت على ذلك"تفسيرات!"للحياة وللإنسان، أبرزها وأشدها جاهلية التفسير المادي للتاريخ، الذي يجعل الصراع"حتمية"لا سبيل إلى الفكاك منها أو تلطيف آثارها..

وهو ليس صراعًا بين"الحق"و"الباطل".. كما ينبغي أن يكون الحال في عالم"الإنسان"الذي كرمه ربه وعلاه..

كلا! إن الجاهلية لا تعرف"الحق والباطل".. فهي تسخر أيما سخرية من الحق والعدل الأزليين! وإنما ترى الأمر صراعًا دائمًا بين مصلحة طبقة ومصلحة طبقة أخرى، لا تقوّم بالميزان الأخلاقي، ولا يقال لها حق وباطل. ولا يقال فيها إن هذه الطبقة أو الطائفة أو الفرد قد طغت لأنها تجاوزت"الحق"أو اعتدت على حدود الله التي بينها للناس.. وإنما كل طبقة على حق بالنسبة لذات نفسها! وينشأ الصراع"الحتمي"من تناقض المصالح الذي لا بد أن ينشأ"حتمًا"فيهدم النظام الذي بطلت منفعته (لمن؟)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت