وأمَّا تولِّي الكافرين على اختلاف أنواعِهِم، فلا يمكن أن يدَّعيَ أحدٌ معنىً للتولِّي إلاَّ كان مما أمعنت فيه الحكومة العميلة، واستكثرت منه وبالغت فيه، وبلغت منه المبالغَ الكبار، فهم عملاءُ أمريكا واليهودِ، باعوا لهم الأرضَ وأباحوا لهم المال والدارَ، وأعانوهم على المسلمين، وبأيديهم على أرض الجزيرة كانت جيوش الصليب تستعدّ وتستمدّ لحملتها، وتتزوّد منها، وتدير حربها على الإسلام.
وإذا كانت الحملة الصليبيَّة التي لم تنهض إلاَّ بجهود حكومة طواغيت آل سعود من تولِّي الكفَّار، فإنَّ فيها من الكفر ألوانًا عدَّةً يكفر بها كلُّ من دخلت يده في هذه الحملة، وحسبُك أنَّها دعوةٌ لكفرٍ، وقتالٌ تحت راية الصليب وعبادةٌ له وللأحبار والرهبان الَّذين يعبدونهم من دون الله عزَّ وجلَّ.
ولو نظرت إلى ألوان الكفر والكفرة وجدت الحكومة السعوديَّة معدنًا لها وبيتًا، فالسحرة الطواغيتُ لا تنفق بضاعتهم كما تنفق لدى نايفٍ في أعمال وزارة الداخليَّةِ، وقد جدَّد الطاغوت نايفٌ سنَّةَ فرعونَ في جمع السحرة من المدائن، داخل الجزيرة وخارجها، مستعينًا بهم على المجاهدين والمجاهدون وليُّهم الله، ونايفٌ أولياؤه - مع الصليبيين - السحرة {ولا يُفلِح السَّاحِرُون} .
وأكثر المخالفين للمجاهدين، من إخواننا طلبة العلم، ومشايخنا العلماء، ومن تزيَّى بزيِّهم ونسب نفسه إليهِم وعدّه النَّاس في زمرتهم، لا يردُّون مسألة النِّزاع إلى الدليل عند التخاصم، بل يأبون الكلام على محلِّ النِّزاع، ويتعامون عنه، ويعرضون عمّن يدعوهم إليه.
فهم يرون أنَّ المجاهدين يكفِّرُون حكَّام جزيرة العرب، وغيرهم من الحاكمين بغير ما أنزل الله المتولِّين للكُفَّار، فلا ينزلون إلى محلِّ النِّزاع، ولا يرضون بالحديث عنه، فيردّون عليهم بذكر نصوص طاعة وليِّ الأمر، مع علمهم اليقينيِّ أنَّ المجاهدين لا ينازعون في وجوب طاعة وليِّ الأمر المسلم، ولو نازعوا في هذا الأصل المعلوم من النصوص بالضرورة لكفروا، وإنَّما نزاعهم في تحقيق المناط، وفي إسلام هذا الحاكم، وكذا ذكرهم لنصوص حرمة المعاهدين، وعصمة دمائهم، مع علمهم ومعرفتهم أنَّ المجاهدين لا يرون إباحة دم المعاهد، ولو قالوا بهذا لكفروا بعد قيام الحجَّة لجحودهم النُّصوص القطعيَّة، ولكنَّ المجاهدين ينازعونهم في صحَّة هذه العهود، وعدم انتقاضها.
وفي كلِّ هذا نراهم يتنكّبون الحديث عن مسألة النِّزاع، وموطن الاختلاف، فإذا تحدّثوا عن طاعة ولي الأمر وقيّدوها بالمسلم، قالوا: ولا يكفر بالكبائر من زنا وربا وشرب خمر، ولا يتحدّثون عن الحكم بغير ما أنزل الله، وتولِّي الكافرين ونحوها مع علمهم بوجودها، وبأنَّ المجاهدين إنَّما يكفِّرون بها لا بالكبائر، وإذا تحدّثوا عن حرمة المعاهدين لم يعرضوا لما فعله من سمّوهم معاهدين، ويبيّنوا حكمه، وهل ينتقض به العهد أم لا؟
والله أمر أمرًا عامًّا بالرَّدِّ إليه وإلى رسوله في محلِّ النِّزاع، وقولُهُ عزّ وجلَّ: فإن تنازعتم في شيءٍ، نكرةٌ في سياق الشَّرط فهي عامَّةٌ في كلِّ ما يُتنازع فيه، فإن تنوزع في أصل الحكم رُدَّ إلى الله والرسول، وإن تنوزع في تنزيله وتحقيق مناطه رُدَّ إلى الله والرسول، وقوله تعالى: فردُّوه، الضمير عائد فيه على الشيء المتنازع فيه، فلا يُجزئ في موطن النِّزاع إلاَّ أن يُردَّ المُتنازع فيه نفسه إلى الله ورسوله، وقوله سبحانه: فلا وربِّك لا يؤمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم: عامٌّ في كلِّ أمرٍ يشجر بين المتنازعين، فإن كان ما شجر بينهم الخلاف في طاعة ولي الأمر حُكِّم فيها الشرع وعرضت عليه، وإن كان ما شجر الخلاف في إسلام وليِّ الأمر، رُدَّت المسألة إلى الشَّرع، وإن كان الخلاف في حرمة دماء المعاهدين، أو في صحَّة عهود الطائفة الفلانيَّة من الكفَّار، أو في كونها انتقضت أم لم تنتقض فكذلك في كلِّ ذلك.