فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 102

موالاة البريطانيين:

-توطئة واقعية:

كان الفجر الصّادق قد آذن بالبزوغ وسط كثبان رمال نجد الجرداء المظلمة، حين تسلّل ثلاثة رهط من مشايخ (عبد العزيز بن سعود) إلى هجرة الغطغط، وهي هجرة (الإخوان) من قبيلة عتيبة، يحملون رسالة من ابن سعود إلى قائدها الدّيني وأميرها العسكري في ذلك الوقت (سلطان بن بجاد) - رحمه الله تعالى - أحد القادة الثلاثة [1] الذين كانت لهم اليد الطّولي في إحياء دعوة التّوحيد وتثبيت دعائم الدّولة السّعودية الثالثة تحت إمارة ابن سعود الذي كان يمثل عليهم ويتظاهر بأنّه حامي حِمى التوحيد والإسلام.

تسلّل أولئك الرّهط يتلفتون يمنة ويسرة وعلامات الخوف والرّعب بادية على وجوههم وحركاتهم حتّى أتوا بيت ضيافة الأمير، فوجدوه خاليًا فجلسوا في إحدى زواياه وقد بلغت قلوبهم الحناجر خوفًا وهيبة ورهبة من الإخوان الّذين كان الخلاف بينهم وبين ابن سعود قد حمي وطيسه.

حتّى أنساهم الخوف وقت الفجر فغفلوا عن صلاتهم ... وتسمّروا في أماكنهم، وكل واحد منهم يأمل أن يبادر غيره بالسؤال عن الأمير، ولبثوا على ذلك حتّى أسفر الوقت جدًا وتقدّم غلام أمام البيت فأشعل نارًا وأخذ يعد القهوة (يحمسها) ويدقها ... وهم على حالهم تلك، إلى أن تشجّع أحدهم وسأل الغلام عن الأمير، فأشار إلى المسجد ... فمضى الشيّخ إلى المسجد ودخله ليجد الصف على ما هو عليه كاملًا لم (ينثلم) رغم انتهاء الصّلاة وإسفار الوقت ووجد القوم جلوسًا يذكرون الله تعالى فزادت هيبتهم في نفسه ولكنّه شعر بالأمن والأمان بين قوم هذه حالهم، فوخز أحد المصلّين وسأله عن الأمير فأشار إلى رجل وسط الصّف لا يكاد يتميّز عن أصحابه فاقترب منه وأعلمه بأنّه مبعوث من ابن سعود فقام معه وقفلا راجعين إلى المضافة.

حيث دار بينهم هذا الحديث:

-أحد المشايخ: (تعلم يا الأمير سلطان، أن طاعة وليّ الأمر واجبة ... وأنّ الإمارة أوّلها ندامة وآخرها ملامة والخزي يوم القيامة، وأن السّلف كانوا يكرهون الإمارة ويفرّون منها وإن حبّها والاستشراف لها شر ومفسدة تفسد على المرء دينه ... ) .

-سلطان بن بجاد:(عبد العزيز علّمكم أنّنا طلاّب إمارة، لا والله الخلاف بيننا وبين ابن سعود ما هو على الإمارة ... المسألة مسألة دين ... وعبد العزيز يعرف زين أنّنا ما نبغي الإمارة ولا نحرص عليها.

ولكنّنا مع عبد العزيز مثل الغار والنار ...

إذا جلسنا أخذتنا النّار ...

وإذا قمنا رطمنا الغار ...

وعبد العزيز يبغي يوم الخلاص منّا ...

ولكن أبشّركم إنا إذا هلكنا بأنكم ستتزاحمون مع النّصارى بأسواق الرّياض ... )

عندما وصل الشيخ الجليل الذي كان يحدث القوم بهذه الحكاية عند هذا المقطع كانت عيناه تذرفان الدّموع وهو يقول: (صدق والله ابن بجاد شوفوا أسواق الرياض اليوم ... ) أهـ.

(1) 36 / فيصل الدويش قائد المطران وظيدان بن حثلين قائد العجمان، هما القائدان الآخران

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت