قال سلطان بن بجاد كلماته تلك في صدر القرن الرّابع عشر ونحن اليوم في أوائل القرن الخامس عشر ... في ذلك الوقت كان الإنجليز (النَّصارى) أمثال فيلبي والكابتن شكسبير [1] يفدون على (أخو نورة) [2] حليفهم الوفي وهم يرتدون الكوفيات وأغطية الرأس العربية المعروفة ... ولا يتجرّؤون على المجاهرة بارتداء أزيائهم وقبعاتهم الإنجليزية خوفًا من بأس الإخوان عليهم، ومراعاة لعبد العزيز وسياسته في التّلبيس والضّحك على الإخوان واستغلالهم ... كيف لا!! وهو قد تربّى في الكويت في كنف مبارك الصباح وتعلّم منه أساليب المكر والكيد والغدر والخديعة، وشاهد بأمّ عينه كيف يتعامل الخونة مع أوليائهم، وكيف ينصر الإنكليز عملاءهم ويمضي ذلك الشيّخ الجليل في حديثه فيقول: أنّه كان في حضرة عبد العزيز بن سعود في زمن وقعة (السبلة) التي قضى فيهم عبد العزيز غدرًا على قيادات الإخوان ... حين جاء البشير صارخًا: (ذبحنا الإخوان .. ذبحنا الإخوان) ، يقول الشّيخ: وكان في حضرة عبد العزيز يومها قوم يتردّدون عنده كثيرًا يرتدّون اللّباس العربي وعيونهم زرق كعيون (البِسس) !! فما كان منهم حين سمعوا بخبر ذبحة الإخوان إلاّ أن قاموا فألقوا بالكوفيات جانبًا، وأخرجوا قبعاتهم الإنجليزية المعروفة فارتدوها ... إعلانًا ببدء عهد جديد.
يقول الشيخ: (فزعت يومها وتروّعت ... وفررت عن ابن سعود .. مع أنني كنت من المقرّبين عنده الذين قلّما يفوتهم مجلس من مجالسه) أهـ.
إن ذلك التكتم في التّعامل مع الإنكليز كان أيام زمان، حين كان للإخوان صولة وجولة. حين كان للحق رجال يذودون عنه، وللدّين سيوف تفري دونه .. أمّا اليوم وبعد ذهاب أولئك الرّجال .. فإن مقولة (سلطان بن بجاد .. ) قد أصبحت واقعًا حيًّا .. وهاهي أفراخ عبد العزيز تعوم على طريقته ولكن بوقاحة وتحدي وعلانية فما عادت الأمور تخفى وتستر ... ولماذا تخفى وتستر .. ؟؟ وعمّن تخفى وتستر؟؟
-تبعية منذ القدم:
على عكس ما هو شائع ومعروف من أن القدس كانت أول المقدسات ذهابا وذلك سنة 1967م. وأن مكة والمدينة وجزيرة العرب عقر دار الإسلام قد وضعت تحت نفوذ الأمريكان و قوات التحالف الصليبي التي أطبقت عليها إبان حرب الخليج الثانية سنة1991م. ثم الثالثة سنة 2003م.
فإن الحقيقة أن مكة والمدينة كانت قد ذهبت ووضعت تحت نفوذ الصليبيين قبل ذلك بكثير. وأن ذهاب القدس كان تبعا لذهاب مكة قبله. وأن قوى الردة التي سيطرت على مكة كانت صاحبة دور أساسي في ذهاب القدس على أربعة مراحل رئيسية , وهي: (1936 - 1947 - 1967 - 2002) م.
وذلك أن بريطانيا الإمبراطورية كانت قد احتلت منذ مطلع القرن السادس عشر وعبر القرون الثلاثة التي تلته كثيرا من أطراف العالم الإسلامي , وبسطت سيطرتها المباشرة عليها , ومنها أطراف جزيرة العرب (سواحل اليمن وعمان والإمارات الخليج والكويت) .
وقد تنبهت بريطانيا لما تشكله بلاد الحجاز من قدسية لدى المسلمين وما تميزت به بلاد نجد من الاستقلال الذاتي حتى عن مركزية الخلافة العثمانية. فعمدت إلى مكر خبيث منذ مطلع القرن التاسع عشر من أجل السيطرة عليها. وذلك بالتعاون مع عميلهم الأكبر عبد العزيز آل سعود مؤسس الدولة السعودية الثالثة الحالية. حيث كان والده عبد الرحمن وأسرته وأولاده قد لجئوا إلى الكويت فارين من نجد بعد انهيار الدولة السعودية الثانية.
(1) 37 / الكابتن شكبير قتل في صفوف ابن سعود في معركة (جراب) على أيدي قوات ابن الرّشيد الموالية للعثمانيين المقاتلة لعبد العزيز عميل الإنكليز. وكان شكسبير يساعد عبد العزيز ويوجّهه وينصره ويدير أموره ويشير عليه في تلك المعركة وغيرها. ويقال أن الإخوان هم الذين قتلوه أثناء المعركة لما اطّلعوا على حقيقة أمره.
(2) 38 / هو اسم أخت عبد العزيز وكان ينتخي بها أي: يعتزي ويفتخر.