وفي نفس اليوم بدأت المعاملة تتغير .. فالمسئولون عن الضيوف يتجنبونني .. ولم أتنبه في بداية الأمر لذلك .. كما أنني لا أحب أن أتصور لنفسي أهمية متخيلة .. ببساطة إنهم مشغولون وقد قاموا بواجبهم في الترحيب وانتهى الأمر .. فماذا تريد منهم أكثر من ذلك ..
قبيل انتهاء المؤتمر بعدة أيام قررت الرحيل إلى المدينة المنورة - وهو ما سبق الحديث عنه في بداية المقال - فذهبت إلى المسئول عن الضيافة .. فذهلت عندما فوجئت به يعتذر عن تدبير العمرة والزيارة .. و أنه كان يستطيع أن يفعل ذلك حتى الأمس أما اليوم فقد جاءتهم تعليمات بوقفها لاقتراب موسم الحج.
استولى علىّ شعور جارف بالخوف لا بالغضب .. خشيت أن تكون المدينة المنورة تلفظني ومكة المكرمة تأبى زيارتي .. ارتجت نفسي رعبا .. وعبر الرعب عن نفسه في غضب:
-لا أريد منكم تدبير الزيارة .. سأذهب وحدي ..
-نحن آسفون .. فأنتم ضيوفنا .. ولكل منكم أهمية في بلده .. ونحن لا نتحمل أن يصيبكم سوء ولو بالصدفة (حادث طريق أو حادث اغتيال مثلا) .. لذلك فنحن مسئولون عنك حتى مغادرة المملكة ..
قلت له:
-هل تعني أنك تمنعني من العمرة ..
قال: لا أقصد ذلك .. وربما استطعنا تدبير ساعتين أو ثلاث تؤدي فيها العمرة ..
قلت: والمدينة ..
قال: نحن آسفون ..
فقلت له: إذن لا أريد منكم أي استضافة .. سأذهب وحدي وأدبر أمري .. ولست محتاجا حتى إلى تذكرة الطائرة ..
-آسف .. قلت لك أننا مسئولون عن أمنك.
فصرخت في وجهه: أضيف أنا أم أسير ..
-بل ضيف ولكن هذا هو النظام ولك أن تعود على الرحب والسعة بعد انتهاء موسم الحج.
انفجر غضبي مخفيا خوفي .. فقلت له:
-هناك سبيل واحد لمنعي من الذهاب إلى المدينة .. وهو أن تلقوا القبض علي ..
أعددت أمري وحجزت في الطائرة .. وكما قلت للقارئ لم أكن أريد أن أتخيل لنفسي أهمية لا تستحقها .. فلم أربط بين رسالتي الشفوية لولي العهد وما يحدث .. في مطار الرياض فوجئت بأحد الكتاب من ضيوف الجنادرية معي .. وقد رتبوا له رحلة للزيارة والعمرة .. !! في المطار .. أذن المؤذن لصلاة الصبح .. وقلت له: هيا بنا لصلاة الصبح .. فإذا بي أفاجأ بقوله:
-لكنني لا أصلي ..
ونظرت إليه بذهول متسائلا في صمت فواصل:
-أنا أذهب إلى مكة والمدينة كقيمة تاريخية .. كسائح .. ولم ألقه مرة أخرى ..