الصفحة 21 من 46

قال الذهبي:"والدعاء مستجاب عند قبور الأنبياء والأولياء، وفي سائر البقاع، لكن سبب الإجابة حضور الداعي، وخشوعه وابتهاله، وبلا ريب في البقعة المباركة وفي المسجد، وفي السَّحر، ونحو ذلك، يتحصل ذلك للداعي كثيرًا، وكل مضطر فدعاؤه مُجاب".

وفي ترجمة معروف الكرخي (9/ 343) نقل قول ابراهيم الحربي: قبر معروف الترياق المجرب.

قال الذهبي بعدها:"يريد إجابة دعاء المضطر عنده، لأن البقاع المباركة يستجاب عندها الدعاء، كما أن الدعاء في السَّحر مرجو، ودبر المكتوبات، وفي المساجد، بل دعاء المضطر مجاب في أي مكان اتفق."

اللهم إني مضطر إلى العفو، فاعف عني".أ. هـ"

ويرى الأكثر حرمته وهو قول السلف من الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين كمالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد، وهو اختيار ابن تيمية -رحمه الله- فإنهم يقولون ببدعته، ولم يقل أحد بأن هذا من الشرك.

وقد فرَّق ابن تيمية بين الأمرين فقال:"كما لا يذبح للميت عند قبره، بل نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن العقر عند القبر وكره العلماء الأكل من تلك الذبيحة فإنها شبه ما ذبح لغير الله" (الاستغاثة، طبعة أخرى ص525) .

فأنت تراه جعله شبيها له لا هو هو.

يقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ:"وهذه الأمور المبتدعة عند القبور أنواع، أبعدها عن الشرع: أن يسأل الميت حاجته كما يفعله كثير، وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت كما يتمثل لعباد الأصنام، وكذلك السجود للقبر وتقبيله والتمسح به."

النوع الثاني: أن يسأل الله به، وهذا يفعله كثير من المتأخرين وهو بدعة إجماعا.

النوع الثالث: أن يظن أن الدعاء عنده مستجاب وأنه أفضل من الدعاء في المسجد فيقصد القبر لذلك، فهذا أيضا من المنكرات إجماعا وما علمت فيه نزاعا بين أئمة الدين، وإن كان كثير من المتأخرين يفعله". (جامع المسائل والرسائل3/ 418) ."

والناس في تلك البلاد وفي غيرها على هذين الحالين.

وكبار الطلبة هناك لا يرون الأول، وقد راسلني بعض إخواني الذين جلسوا مع كبارهم فبينوا لهم ذلك، وأنهم لا يقولون بجواز الاستغاثة بالمقبورين والأموات.

وسترى في ختام هذا الكتاب رسالة لأحد طلبة العلم في وصف حال الطلبة.

ثانيهما: إن الكاتب لم ينقل مذاهب العلماء في تكفير الجهلة المستغيثين بالقبور، وكأن للعلماء قولا واحدا لا غير، وهذا خطأ، فإن الكاتب إن كان يرى كفرهم، إلا أنه كان لا بدَّ من ذكر الخلاف ولا يوهم الإجماع والإتفاق.

فإن ابن تيمية -رحمه الله- لم يكن يرى تكفير هؤلاء المستغيثين بسبب جهلهم، ويرى بعض أئمة الدعوة النجدية عدم إعذارهم (كاسحاق بن سليمان والصنعاني) وهو قول لا يرضاه عامة العلماء وعابا عليهما ذلك.

ومحمد بن عبد الوهاب رحمه الله اختلف أبناؤه وأتباعه في فهم كلامه في حكم هؤلاء وساذكر ألفاظه في هذا الأمر.

يقول ابن تيمية في من دعا الأموات إذ سجد لقبر:"وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين (اختلف الناقلون لهذا الحرف فبعضهم رجح هذا الحرف على -يُبَيَّنْ-) لهم ما جاء به الرسول مما يخالفه، ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الدين إلا تفطن، وقال هذا أصل دين الإسلام، وكان بعض الأكابر من الشيوخ العارفين من أصحابنا يقول هذا أعظم ما بينته لنا لعلمه بأن هذا أصل الدين". (الاستغاثة الكبرى1/ 629/631) .

وقال في الفتاوى (20/ 32 - 33) :"كل عبادة غير معمول بها، فلابد أن ينهى عنها، ثم إن علم أنها منهي عنها وفعلها استحق العقاب، فإن لم يعلم لم يستحق، وإن اعتقد أنها مأمور بها وكانت من جنس المشروع فإنه يثاب عليها، وإن كانت من جنس الشرك فهذا الجنس ليس فيه شيء مأمور به، وهذا لا يكون مجتهدا، لأن المجتهد لابد أن يتبع دليلا شرعيا، وهذه لا يكون عليها دليل شرعي، لكن قد يفعلها باجتهاد مثله، وهو تقليد لمن فعل ذلك من الشيوخ والعلماء، والذين فعلوا ذلك قد فعلوه لأنهم رأوه ينفع، أو لحديث كذب يتبعوه، فهؤلاء إذا لم تقم عليهم الحجة بالنهي لا يعذبون."

وأما الثواب: فإنه قد يكون ثوابهم أنهم أرجح من أهل جنسهم.

وأما الثواب بالتقرب إلى الله فلا يكون بمثل هذه الأعمال"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت