وابن تيمية رحمه الله تعالى لم يُكفِّرْ البكري مع أنه يقول عنه:"وهم (أي الخوارج) أظهر حجة وأبين محجة من مثل هذا الضال وأمثاله الذين ليس لهم فيما يبتدعونه من الشرك سوى محض البهتان والافتراء والاعتداء". (الاستغاثة/ طبعة أخرى 1/ 263 - 264) .
يقول ابن تيمية فيه:"فلهذا لم يقابل جهله وافتراؤه بالتكفير بمثله".
وأما ما قاله ابن عبد الوهاب، فهو منقول في كتبه وما نقله أتباعه.
يقول سليمان بن سحمان:"أما تكفير المسلم فقد قدمنا أن الوهابية لا يكفرون المسلمين، والشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- من أعظم الناس توقفًا وإحجامًا عن إطلاق الكفر، حتى أنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر تاركها، قال في بعض رسائله: وإن كنَّا لا نكفر من عبد قبة الكواز لجهلهم وعدم من ينبههم فكيف ممن لم يهاجر إلينا؟."
وقال وقد سئل عن هؤلاء الجهال -فقرر أن من قامت عليه الحجة وتأهل لمعرفتها- يكفر بعبادة القبور، وأما من اخلد إلى الأرض واتبع هواه فلا أدري ما حاله". (مجموعة الرسائل والمسائل3/ 5) ."
يقول أبو قتادة الفقير: تأمل بالله عليك أخي الحبيب كلمة محمد بن عبد الوهاب".. فلا أدري ما حاله .."ثم انظر اليوم لو قالها أحد كيف سيفر الجهلة عنه فرار الحمر المستنفرة، لأنهم لا ترتاح نفوسهم الا بالتكفير، واطلاق أقسى العبارات في حق المسلمين، فلا يخدعنك يا طالب العلم تشدد الجهلة، ولا تنساق وراءهم طمعا بمدحهم وخوفا من ذمهم، فوالله لا يريدون منك الا أن تكون جسرا لهم على جهنم.
وفي الدرر السنية: يقول محمد بن عبد الوهاب في رسالة له:"وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من ينبههم. (1/ 104) "
والقصد من هذا: أن الكاتب عمم ولم يفصل ووقع في المحذور.
يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى- في الكافية الشافية في خطورة هذه العمومات وترك التفصيل الذي هو منهج المهتدين من أهل السنة والاتباع:
774 -فعليك بالتفصيل والتمييز فالـ إطلاق والإجمال دون بيان
775 -قد أفسد هذا الوجود وخبطا الـ أذهان والآراء كل زمان
وما فساد هذا الكاتب إلا لاطلاقاته وإجماله في الحديث، إذ يرى أن الاسم الواحد ليس له إلا مرتبة واحدة، ثم يطلق عليه حكمًا واحدًا، وهذه طريقة الجهال، ويتورع عنها صغار الطلبة.
إن التفصيل هو الذي به يتم البيان الحق الصحيح كما قال تعالى:"وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين".
وقد جعل الكاتب القبر وثنا، وهذا حق، لكن أعطاه نفس الحكم الغائي، وهذا هو الضلال الذي ننبه عليه، فإن اجتماعهما في الاسم لا يقتضي اجتماعهما في الحكم كما تقدم من قول ابن حجر رحمه الله تعالى:"لا يلزم الاشتراك في الأسماء الاشتراك في المعنى"
ويقول ابن عبد الوهاب:"وأما بناء القباب عليها (القبور) فيجب هدمها، ولا علمت أنه يصل إلى الشرك الأكبر". (مؤلفات الشيخ الإمام1/ 101)
وقد وجد في بعض الأوقات من كفر بناء القبور والقباب عليها من الجهلة أهل الغلو ورد عليهم الإمام الشوكاني في قصيدة له وفيها:
فكيف يقال قد كَفَرَتْ أناسٌ *** يرى لقبورهم حجر وعودُ
فإن قالوا أتى أمر صحيح *** بتسوية القبور فلا جحودُ
ولكن ذاك ذنب ليس كفرًا *** ولا فسقا فهل في ذا ورودُ
وإلا كان من يعصي بذنب كفورًا، إن ذا قول شرود (نيل الوطر299)
ويقول علامة العراق محمود شكري الألوسي في غاية الأماني في الرد على النبهاني (1/ 36) : والذي تحصل مما سقناه من النصوص أن الغلاة ودعاة غير الله وعبدة القبور اذا كانوا جهلة بحكم ما هم عليه ولم يكن أحد من أهل العلم قد نبههم على خطئهم فليس لأحد أن يكفرهم. أ. هـ)