بن مسعود رضي الله عنه"من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن فإن فيه علم الأولين والآخرين"وقد نص العلماء أن من معاني"النصيحة لكتابه"الإيمان به وتعظيمه وتنزيهه وتلاوته حق تلاوته والوقوف مع أمره ونواهيه، وتفهم علومه وامتثاله وتدبر آياته والدعاء إليه-أي الدعوة لأحكامه"وذب تحريف الغالين وطعن الملحدين فيه"وقد كان السلف همهم التدبر وليس كثرة القراءة، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال، قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية حتى أصبح يرددها والآية"إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم"المائدة 118.
وقام تميم الداري رضي الله عنه ليلة بهذه الآية"أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون"الجاثية21، وعن موسى بن معاوية رحمه الله قال، صلى بنا هارون الخليفة الصبح في المسجد الحرام فقرأ بالرحمن والواقعة فتمنيت أن لا يسكت من حسن قراءته، فقمت إلى الفضيل رحمه الله فسمتعه يقول"مسكين هارون قرأ الرحمن والواقعة ولا يدري ما فيها"، وقال رجل لابن المبارك رحمه الله"قرأت البارحة القرآن كله في ركعة، فقال لكني أعرف رجل لم يزل البارحة يكرر"ألهاكم التكاثر"إلى الصبح ما قدر أن يتجاوزها يعني نفسه."
والأمثلة في هذا الباب فوق الحصر لمن اطلع على أحوال السلف الأوائل وقد تكلم الإمام ابن الجوزي رحمه الله عن حالة القراء عند فساد الزمان في كتابه تلبيس إبليس، وكذا الإمام الغزالي رحمه الله عن أصناف المغرورين في كتابه الإحياء، فليراجعا، وكان للسلف الأوائل عناية بعلم التفسير والغوص على معاينه اللطيفة والدقيقة، روى مسلم عن مسروق رحمه الله قال كان عبد الله يقرأ علينا السورة ثم يحدثنا فيها، ويفسرها عامة النهار، وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه"الذي يقرأ ولا يفسر كالأعرابي الذي يهذي بالشعر"ومن العجب أن نجد وزير الشؤون الدينية يريد إلزام أئمة المساجد بقراءة حزبين في صلاة التراويح رغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة لم يفعلوا ذلك، فالعبرة بالتدبر وليس بمجرد التلاوة أو التلذذ بنغمة القارئ وشتان بين من يطرب للصوت وبين من يقف عند المعاني؟!! ولو أن وزير الشؤون الدينية طالب بتطبيق الشريعة في جميع مناحي الحياة وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر الذي عشعش في دواليب النظام السياسي المتعفن لكان خيرا له وأقوم قيلا، وكلنا يعلم أنه عندما ألغيت شعبة علوم الشريعة وسئل عن ذلك فقال"لا أتحمس شخصيا للدفاع عن شعبة العلوم الإسلامية"ولم يحرك ساكنا ولم يقدم استقالته من منصبه انتصارا للحق ولم يستطع أن يقف في وجه قانون العقوبات الذي ينال من استقلالية الأئمة ويحدّ من حرية نقدهم لمختلف أوضاع البلاد المخالف للكتاب والسنة سواء أكانت صادرة من الراعي أو من الرعية؟!! بل يسمح بنقد انحرافات الرعية دون الراعي، والحاصل أن أهم شيء عند السلف هو التدبر لكتاب الله تعالى بل ما كان السلف الصالح الأوائل يطيلون حتى في الدعاء بشكل يخرج