الصفحة 3 من 44

الأولى:

أنصح إخواني المسلمين بطلب العلم الشرعي وفهم الكتاب والسنة كما فهمهما سلف هذه الأمة، فنحن في عصر كثرت فيه الفتن، وما زال أعداء الإسلام يثيرون الشبهات تلو الشبهات ليثبطوا المسلمين عن القيام بأمر دينهم ومجاهدة أعدائهم، ولو أن المسلمين فهموا الكتاب والسنة لعلموا أن واجبهم الآن هو قتال هذه الحكومات المرتدة، وتنصيب حكام مسلمين، بدلا من تأييدها وإسباغ الشرعية عليها، ولكن بسبب عدم فهمهم لهذا الأمر تفرقت بهم السبل، وسلكوا طرقا غير شرعية وتركوا طريق الجهاد الذي فرضه الله سبحانه.

الثانية:

أن يتعرفوا على ما يدور حولهم في الواقع، وما يدبره أعداء الإسلام للقضاء على دينهم حتى لا يقعوا في شراكهم، فلابد للمسلم أن يتعلم دينه أولا ثم يفهم الواقع ثانيا، وقد رأينا بعض الدعاة الذين لم يفهموا الواقع فهما صحيحا وقعوا في أخطاء فادحة، كما أن بعض الدعاة الذين فهموا الواقع ولكنهم قصروا في فهم الشرع قد وقعوا أيضا في أخطاء فادحة، فكان لابد من الجمع بينهما.

وقد بين الإمام ابن القيم أهمية فهم الواقع وأحوال الناس للمفتي وأنه لابد أن يجمع المفتي بين فهم الكتاب والسنة وفهم الواقع فقال رحمه الله:(ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم؛

أحدهما؛ فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما.

والنوع الثاني؛ فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر) [6] .

وقال أيضا رحمه الله: (ذكر عبد الله بن بطة في كتابه في الخلع عن الإمام أحمد أنه قال:(لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال، أولها؛ أن تكون له نية، فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور، والثانية؛ أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة، الثالثة؛ أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته، الرابعة؛ الكفاية وإلا مضغه الناس، الخامسة؛ معرفة الناس) .

ثم قال الإمام ابن القيم: (وأما قوله الخامسة؛ معرفة الناس، فهذا أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم فإن لم يكن فقيها فيه، فقيها في الأمر والنهي ثم يطبق أحدهما على الآخر، وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح، فإنه إذا لم يكن فقيها في الأمر له معرفة بالناس تصور له الظالم بصورة المظلوم وعكسه، والمحق بصورة المبطل وعكسه، وراج عليه المكر والخداع والاحتيال، وتصور له الزنديق في صورة الصَّديق، والكاذب في صورة الصادق، ولبس كل مبطل ثوب زور تحتها الإثم والكذب والفجور، وهو لجهله بالناس وأحوالهم وعوائدهم وعرفياتهم لا يميز هذا من هذا، فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال، وذلك كله من دين الله كما تقدم بيانه، وبالله التوفيق) [7] .

أما الذين شغلتهم بعض الأمور عن التفرغ للعلم فلابد أن يتعلموا على الأقل العلوم العينية الواجبة عليهم، ولا يجترءوا على الشرع ويفتوا بغير علم.

الثالثة:

أن يكون همهم تحري الحق واتباع الدليل، ولا يغتروا بكثرة الهالكين، ولا يستوحشوا من قلة السالكين، فإن الحق يعرف بالدليل لا بالكثرة ولا بالشهرة، قال تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} .

قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله: (ذكر في هذه الآية أن طاعة أكثر أهل الأرض ضلال، وبين في مواضع أخر أن أكثر أهل الأرض غير مؤمنين، وأن ذلك واقع في الأمم الماضية كقوله: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} ، وقوله: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} ، وقوله: {ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين} ، وقوله: {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين} ، إلى غير ذلك من الآيات) [8] .

فيا أخي المسلم ...

أنت على الحق، وأنت الجماعة، وإن كنت وحدك، ما دمت متمسكا بالكتاب والسنة.

قال عمرو بن ميمون الأودي: (صحبت معاذا باليمن فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فسمعته يقول: (عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة، ثم سمعته يوما من الأيام وهو يقول:(سيلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها فصلوا الصلاة لميقاتها فهي الفريضة، وصلوا معهم فإنها لكم نافلة) ، قال: (قلت - أي عمرو بن ميمون - يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ما أدري ما تحدثونا؟ قال: (وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة وتحضني عليها ثم تقول صل الصلاة وحدك وهي الفريضة، وصل مع الجماعة وهي نافلة؟ قال: (يا عمرو بن ميمون، قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية تدري ما الجماعة؟ قلت: لا، قال:(إن جمهور الجماعة الذين فارقوا الجماعة، الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك) ، وفي طريق أخرى: (فضرب على فخذي وقال:(ويحك، إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله عز وجل) .

قال نعيم بن حماد: (يعني إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ) ، ذكره البيهقي وغيره [9] .

وقال الشاطبي: (إن الجماعة هي المتبعة للسنة وإن كانت رجلًا واحدًا في العالم) [10] .

وقال الإمام ابن القيم: (اعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب الحق وإن كان وحده، وإن خالفه أهل الأرض) [11] .

الرابعة:

أحذر إخواني من اتباع الهوى، قال تعالى: {أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا} [سورة الفرقان: 43] .

قال قتادة: (كل ما هوى شيئا ركبه وكل ما اشتهى شيئا أتاه لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى) .

وقال الحسن: (لا يهوى شيئا إلا تبعه) [12] .

وقال ابن عباس: (الهوى إله يعبد من دون الله) ، ثم تلا {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} [13] .

قال الإمام القرطبي رحمه الله: (فإن اتباع الهوى مُردٍ أي مهلك، قال تعالى مخاطبا نبيه داود عليه السلام: {فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} [سورة ص: 26] ، فاتباع الهوى يحمل على الشهادة بغير الحق، وعلى الجور في الحكم، إلى غير ذلك.

قال الشعبي: (أخذ الله على الحكام ثلاثة أشياء؛ ألا يتبعوا الهوى، وألا يخشوا الناس ويخشوه، وألا يشتروا بآياته ثمنا قليلا") [14] ."

ولقد حذر الله تعالى من اتباع الهوى في عدة مواضع من القرآن الكريم، فاحذر كل الحذر أن تقدم هواك على الكتاب والسنة فتضل عن سبيل الله، أو تؤول النصوص لتوافق هواك كما يفعل أهل البدع والأهواء.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (أخاف عليكم اثنين اتباع الهوى، وطول الأمل، فإن اتباع الهوى يصد عن الحق، وطول الأمل ينسي الآخرة) [15] .

الخامسة:

أنصح قادة الإخوان ألا يقدموا على إصدار مثل هذه البيانات قبل أن يعرضوها على الكتاب والسنة حتى لا يقعوا في هذه المنزلقات الخطيرة فيَضلوا ويُضلوا، وحتى لا يتحملوا وزر من تبعهم إلى يوم القيامة، نسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة.

السادسة:

أنصح إخواني المسلمين أن يعتصموا بالكتاب والسنة الصحيحة وإجماع الأمة، وأن ينبذوا البدع والمحدثات، فإن الدين قد اكتمل ولسنا في حاجة إلى من يكمله، قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [سورة المائدة: 3] ، كما أنصحهم ألا يقدموا رأي أحد من البشر مهما بلغ من العلم على الكتاب والسنة، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم} [سورة الحجرات: 1] .

وقد حثنا الشرع على الاعتصام بالكتاب والسنة وترك الفرقة والابتداع في الدين، قال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} [سورة آل عمران: 103] .

وقال جابر رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته؛ (أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) [16] .

قال ابن رجب رحمه الله: (قوله؛"كل بدعة ضلالة"؛ من جوامع الكلم لا يخرج عنه شئ، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله صلى الله عليه وسلم:(من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، فكل من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة والدين برئ منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة، وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية ... ) [17] ."

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة) [18] .

قال ابن رجب رحمه الله: (قوله؛"عضوا عليها بالنواجذ"، كناية عن شدة التمسك بها، والنواجذ؛ الأضراس، قوله؛"إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة"، تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة، وأكد ذلك بقوله كل بدعة ضلالة والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة) [19] .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السنة بالبدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها) ، فقلت: يا رسول الله وإن أدركتهم كيف أفعل؟ قال: (لا طاعة لمن عصى الله) [20] .

وثبت عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (قد أصبحتم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول) [21] .

قال ابن بطال: (لا عصمة لأحد إلا في كتاب الله أو في سنة رسول الله أو في إجماع العلماء ... ) [22] .

[6] أعلام الموقعين، ج1/ 87،88.

[7] أعلام الموقعين، ج4/ 199، ج4/ 204،205.

[8] أضواء البيان ج2/ 208.

[9] إغاثة اللهفان لابن القيم ج1/ 83، ط: دار الكتب العلمية 1407 هـ.

[10] ج1/ 356.

[11] أعلام الموقعين، ج3/ 397.

[12] أضواء البيان ج6/ 330.

[13] أدب الدنيا والدين للإمام الماوردي ص33، ط: دار الكتب العلمية بيروت.

[14] تفسير القرطبي، ج 5/ 411 - 412، ط دار الحديث.

[15] أدب الدنيا والدين ص34.

[16] هذا جزء من حديث رواه مسلم، ك: الجمعة، ب: تخفيف الصلاة والخطبة.

[17] انظر كلام جامع العلوم والحكم ص339.

[18] رواه أبو داود، ك: السنن، ب: في لزوم السنة، والترمذي، ك: العلم، ب: الأخذ بالسنة واجتناب البدعة وقال حسن صحيح، وابن ماجة في المقدمة، ب: اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين.

[19] جامع العلوم والحكم ص398.

[20] أخرجه ابن ماجة من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، ك: الجهاد، ب: لا طاعة في معصية الله.

[21] فتح الباري ج13/ 267.

[22] فتح الباري ج13/ 259،260.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت